الخَطَلُ والزَلَل في ذمِّ أو مدحِ مطلقِ الجدَل
الشيخ عبد المنعم البدراني
الجدل نوعان: نوع محمود، ونوع مذموم، والتفريق بينهما بالقرائن التي تدل على المحمود منه، أو على المذموم منه.
فأما الجدل المحمود، فنحو قوله تعالى في سورة النحل:((ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125))
فالذي دلَّ على أن الجدل هنا محمود ومشروع هو القرينة التي دلّت عليه، ألا وهي قوله تعالى:((وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ)).
ومنه قوله تعالى في سورة العنكبوت :((وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ))
فلو أن الله تعالى اطلق النهي عن جدال أهل الكتاب دون الإستثناء بالتي هي أحسن، لما جادلناهم أبدا.
اما الجدال المذموم فهو المقصود بقوله تعالى في سورة الحج:((وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ (8)ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۖ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9)
والقرائن الدالة على ذمه واضحة في هذه الآيتين المباركتين:
الاولى: قوله تعالى:((مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ))
ومفهوم المخالفة أن الجدال الحسن في الله وصفاته وأفعاله وأسمائه وقضائه وقدره هو المبني على العلم والهدى والكتاب المنير.
الثانية: قوله تعالى:((ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۖ)) وهو كناية عن الكبر في قبول الحق لإضلال الناس عن سبيل الله المستقيم.
الثالثة: قوله تعالى:((لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9)) وهذا وعيد، والوعيد دليل على تحريم الجدال بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
الجدل لا يُذم مطلقاً، ولا يثنى عليه مطلقاً إنما يُذم بالقرائن التي تدل على ذمه، ويُثنى عليه بالقرائن التي تدل على مدحه والثناء عليه.
التفاتة
قوله تعالى مخاطباً خليله سيدنا مُحَمَّداً صلوات ربي وسلامه عليه في سورة الحِجر :((وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97)
هذا طبع بشريٌ وجِبِلِّيٌ وفطري، أن يضيق الصدر حين يُرفَض الحق والعدل الذي معك، ولذلك فإن الإصلاح ثمنه باهض، ويحتاج الى صبرٍ ومجاهدة للنفس التي طُبعتْ على محبة الراحة والإستجمام وهذا ما أوصى اللَّهُ تعالى رسوله صلى اللَّهُ عليه وسلم في قوله في سورة الأحقاف :((فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ۚ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ ۚ بَلَاغٌ ۚ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (35)
ونهاه أن يكون كرسوله يونس عليه السلام الذي لم يصبر على قومه كما في سورة القلم :((فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ (48)
فالصبرَ الصبرَ على الحق والعدل
ولا تجاملوا أحداً على حساب دين اللّهِ تعالى، من غير إفراط ولا تفريط، ولا غُلوٍّ ولا تقصير، ولا هدرٍ ولا تضخيم
أعطوا للمسائل الكبار في الشرع حقها، وأعطوا للمسائل الصغار حقها، واعتنوا بواجب الوقت وفقه المرحلة، واستغنوا عن الأمور المستهلكة بالأمور التي تقربكم الى اللَّهِ زلفى، كالتوحيد والولاء والبراء ومحاربة الأفكار الهدّامة كالإلحاد والحداثة والظلامية التي يسمونها “بالتنوير”
وحاربوا المثليةَ والمخدرات والفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا تنصتوا للمتنطعين المتكلفين المنشغلين بصغائر الأمور عن عظائمها
على قدر أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ
وتأتي على قدر الكرام المكارمُ