المؤهل لطلب العلوم الشرعية الكفائية، وادعاء صعوبة الالتزام
بقلم : د. محمد الحاج عيسى
قال القرافي رحمه الله:”
وأما فرض الكفاية فهو العلم الذي لا يتعلق بحالة الإنسان فيجب على الأمة أن يكون منهم طائفة يتفقهون في الدين ليكونوا قدوة للمسلمين حفظاً للشرع من الضياع، والذي يتعين لهذا من المسلمين من جاد حفظه وحسن إدراكه وطابت سجيته وسريرته ومن لا فلا.
لأن من لا يكون كذلك لا يحصل منه المقصود، إما لتعذره كسيئ الفهم يتعذر عليه أن يصل لمرتبة الاقتداء، أو لسوء الظن به فينفر الناس عنه فلا يحصل منه مقصود الاقتداء”.
شرح تنقيح الفصول (ص: 435)
ومن عوائق الاستقامة ادعاء بعض الناس صعوبة الالتزام
فنقول له ماذا تعني بالالتزام؟
1-إن كنت تعنى الانقياد الكلي (الذي هو ركن في الإسلام) فهذا إعلان للكفر والعياذ بالله، والتفريق الذي يتردد على ألسنة كثير من الناس هذا مسلم ملتزم وهذا غير ملتزم، تفريق غير مقبول في الإسلام ومصدره النصرانية الضالة، لأن ديننا قول وعمل، ولا يكفي فيه مجرد القول أو التمني.
2-وإن كنت تعني الالتزام بالصلاة والمحافظة عليها-وبقية التكاليف-، فهذه مغالطة لأن الله تعالى يقول : ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج ) (الحج 78) وهو قدح في حكمة المولى عز وجل في التكليف لأن الله تعالى يقول : ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) (البقرة286)، ومن أراد أن يتأكد من رحمة الله تعالى بنا وأنه لم يكلفنا بشيء صعب علينا فلينظر إلى ما كلف به الملائكة، إذ منهم من هو ساجد من يوم أن خلقه الله عز وجل، ومنهم من هو راكع ومنهم القائم، ومنهم المسبح وهكذا عبادة واحدة دائمة. فهل بعد هذا نصدق من يقول إن الالتزام صعب؟
ثم إننا نقول إن للعبادة لذة يجدها من يألفها ويداوم عليها، نعم إن للطاعة طعم وحلاوة وتورث في القلب فرحا وسرورا وانشراحا، كما أن للمعصية طعما ولذة إلا أنها لذة زائلة سرعان ما تورث صاحبها حزنا وكآبة وظلمة في القلب وضيقا في الصدر.
3-وإن كنت تعني الالتزام بالصلاة في المسجد، فهذا أيضا مغالطة لأن الالتزام بالصلاة في المساجد في هذه الأيام يعد أكثر من ضرورة لأنه لا ثبات للعبد من دون ذلك، فالعبادة في المسجد، العلم في المسجد، والصالحون في المسجد. وفي خارج المسجد لا تجد إلا ما يدعوك إلى الغفلة أو المعصية، ولتعلم أن الصحابة رضي الله عنهم أول الأمر لما كان الإسلام في المدينة فقط فرض الله تعالى عليهم الهجرة من ديارهم ومن أرض الكفر إلى المدينة أرض الإسلام ليحافظوا على دينهم، فكان ربما خرج الواحد منهم حافيا عاريا مهاجرا إلى الله ورسوله، فهل هجرتهم أصعب أم هجرتك للشارع والملعب؟
4-وإن كنت تعني بقولك هو صعب أن الالتزام فيه جهد، فهذا حق والله تعالى يقول: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت:69) أي الذي جاهدوا هواهم والشيطان، ثم إنه لا يوجد شيء ينال بغير جهد، الخبز لابد له من جهد وكل شيء لابد له من جهد! حتى المعاصي الناس تنالها بالجهد! وإذا كنت ترى في التنقل إلى المسجد جهدا وفي الصلاة جهدا فلِمَ لا ترى إلى الجهد الذي يبذله المتنقل إلى الملاعب البعيدة، وفي ذلك الصراخ والصياح أليس ذلك صعبا وفيه جهد أيضا؟ ولتعلم أن سلعة الله غالية، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: « حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ » (رواه مسلم).