رباط الخيل

الناقد أدهم الشبيب

ننادي دوما بأن الإسلام دين سلام ومنهاج محبة وتعايش ، ودليل ذلك كتابه العظيم الذي ملأت صفحاته الشريفة آيات التراحم والتكافل والصدقات وبر الوالدين والجار والصاحب والأقربين ومسالمة المسالمين و أن {لَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ}

ولكن القرآن الكريم عند دعوته للقتال وحثه على الجهاد وتوثيقه للنصر ووصفه للهزيمة كان أيضا صارما واضحا غير متردد ولا مداهن ولا متعثر : {لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْـًٔا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ}

بل أمر بالقتال بيانا عيانا لم يخش أن يلام فيقال إن هذا “دين حرب وعقيدة قتال” ، الذين اخترعوا هذا الافتراء هم الأعداء المبغضون خوفا من الحق الذي يدعو إليه ، والذين روجوا لذلك هم الجبناء أو المنافقون ممن ينتسبون إليه ، فالصحابة -رضوان الله عليهم-لم يقولوا إن هذا دين سيف لا نريده بل طلبوا من النبي قائدهم عليه الصلاة والسلام أن يستأذن ربه في القتال فقد أصابهم الحيف من الظالمين المتجبرين الذين يقاتلون الناس لا لشيء {إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّه} ويخرجونهم {مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ}

فيذبحون الضعفاء ويحيدون الأقوياء، ففاض صبر القوم وتاقت نفوسهم إلى الكرامة وإلى الموت الكريم أو العيش العزيز، فكان القرآن عند ذلك كتابا عسكريا جهاديا تعبويا صارما ولا غرو، فلكل مقام مقال ولكل وقت حال وهذا هو الدين، ولم يكن الدين ليقبل الضعف والهوان لمعتنقه بل إن “المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف وفي كل خير” كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فالإسلام نعم حث -عندئذ وفي حال مماثلة- على القتال بل وجعله مقدسا وجعل جزاءه الجنة.

ولم يكن حث القرآن على ذلك نظريا قوليا إعلاميا فحسب بل حقيقيا منظما مقترنا بإعداد القوة {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍۢ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} ،

ومن القوة رباط الخيل، وفي عصرنا يكون المنقول إلى آلات الحرب اليوم من الدبابات ومثلها، فتلك كما الخيل “معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة” ، إن اعتليناها كما اعتلى أجدادنا الخيول ، “وترهبون به عدو الله وعدوكم” فالإرهاب الدفاعي والجهادي- الذي صحفوا اسمه ومعناه ليتوئمونه مع الإرهاب المستنكر ويجعلون إرهاب العدو المعتدي كإرهاب المدني الآمن زورا وتجهيلا -هو بث الرهبة في صفوف الأعداء بكل وسيلة عسكرية نبيلة تبينها الأعراف السليمة والمواثيق الدولية والشرائع السماوية غير المحرفة.

فالتراجع والاعتزال خوفا من الاتهام بالإرهاب جهل وغفلة، كيف نصدق هذا ويوهموننا به فنتبعهم وهم إذا تمكنوا لا يرحمون ولا يألون جهدا ولا يدخرون وسيلة لقتلنا وتشريدنا وتجويعنا واغتصاب أراضينا، والواقع الجاري شاهد بليغ، وكيف و هم إذا عاهدونا نكثوا، وكيف وهم يحرمون علينا ما يحلونهم لأنفسهم و {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا۟ عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا۟ فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَٰهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَٰسِقُونَ}.

بل الحق الذي لا مراء فيه والواجب الذي لا رجوع عنه هو أن نأخذ حذرنا ونرتب شأننا و ننفر جميعا أو من عليه الكفاية {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ خُذُوا۟ حِذْرَكُمْ فَٱنفِرُوا۟ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُوا۟ جَمِيعًا} ،و لنبيع الحياة الدنيا بما هو خير منها فإن لذلك أجرا عظيما {فَلْيُقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْءَاخِرَةِ وَمَن يُقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}.

وقد وصف الله تعالى المتفيقهين بهذا الأمر بالمتثاقلين الخائفين، وكانوا قلة {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلْءَاخِرَةِ فَمَا مَتَٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلْءَاخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} ، فمتاع الدنيا بعد كل شيء قليل.

وإنما يتردد ويتخلف عن جهاد الظالم المغتصب الكافر ويستئذن من كان في قلبه ريب من الإيمان {إِنَّمَا يَسْتَـْٔذِنُكَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ}

بل القتال هو الحل لمن نكث عهده وغدر وأعد لنا العداوة، أفلا نقاتل من ظاهرنا بالعداء وسلب أرضنا وقتل نسائنا {أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَٰنَهُمْ}!

بل قتالهم فرض وواجب وفعل يخزيهم ويعذبهم، ويشفي الصدور {قَٰتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ}، فلا طائل من المسالمة بعد، ولا أمل من المهادنة ولا رجاء من العفو والمرحمة، بل هي الغلظة والرهبة واعتلاء نواصي الخيل. {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا۟ فِيكُمْ غِلْظَةً وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ}

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

Similar Posts