الوسطية وشيء من فقه التعليم
د. محمد الحاج عيسى
إن الوسطية صفة لدين الإسلام، وأعظم الناس استحقاقا لهذه الصفة هم أشدهم تمسكا بنصوص الكتاب والسنة الصحيحة وأحكامهما، ومعنى الوسط هو العدل والاعتدال، ودين الله تعالى هو دين العدل والميزان، وهو دين الاعتدال والإنصاف، في شرائعه وعقائده، وفي عباداته ومعاملته، فليست الوسطية مجرد التوسط في المواقف والمسائل، وليست محاولة أخذ موقع وسط بين الجماعات والطوائف، كما أن الوسطية ليست التنازل عن مبادئ الإسلام وشرائعه وشعائره، بل الوسطية هي الحكم بالعدل الذي أنزل الله عز وجل، ومما يؤسف له في هذا الزمان أن جعل كثير من الناس وِجهته وقِبلته في شرح هذه الوسطية -التي يقابلها التطرف- العالم الغربي وذيوله -، فصار همهم إقناع الغرب بأن جماعتهم وفئتهم هي المعتدلة دون غيرها، وتباروا في تقديم التنازلات وتغيير الحقائق الشرعية والمصطلحات، وقد غفل هؤلاء أنه لن ينفعهم عند الغرب التنازل عن المبادئ مهما كانت درجات هذا التنازل، ولن يغير نظرته إليهم محاولة تطوير الإسلام أو تهذيبه بإلغاء بعض مفاهيمه أو تغييرها أو تعطيلها، وأنه لن يشفع لهم عند الغرب تبرؤهم من بعض المسلمين ونعتهم لهم بالتطرف ونحوه، كما لن يغر الغرب محاولة احتكار سمة الوسطية والاعتدال في الإسلام، ولن يرضى الغرب عنا حتى نتبع ملته، لأن الإسلام عندهم هو عين التطرف والإرهاب. صدق الله العظيم إذا قال: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) [البقرة/120]، وملة الغرب اليوم هي العلمانية ولن يرضوا عنا من دونها، وهذه هي الوسطية والاعتدال الذي تريدها فرنسا في مواطنيها المسلمين، وهذه هي الوسطية التي توصل إليها الأمريكيون أيضا …فقد جاء في تقرير مؤسسة راند البحثية -التابع للقوات الجوية الأمريكية- (سنة 2007) أن الخط الفاصل بين المسلم المعتدل والمسلم المتطرف؛ هو “الإيمان بإمكانية تطبيق الشريعة الإسلامية”، تأملوا جيدا كلمة “الإيمان”.. مجرد الإيمان .. وليس القتال من أجلها أو السعي لتطبيقها أو المطالبة بذلك، فلا يكون مسلم معتدلا حتى يعتقد عدم صلاحية الشريعة الإسلامية للتطبيق في زماننا… فمن منكم أيها المسلمون مستعد أن يثبت للغرب أنه المعتدل بعد هذا؟؟
وهذا لا يعني إلغاء الرد أو النقد؛ فلابد لنا من نقد الغلو والانحلال، ورد الخطأ الكبير والصغير، ولكن يجب أن يكون مبتغانا رضا الله تعالى، وأن يكون مرادنا النصيحة والإصلاح والتصحيح، وليس الوشاية أو مجرد التعيير والتجريح.
الإمام يوبخ العوام
صليت مرة في مسجد من مساجد العاصمة (الجزائر) صلاة المغرب، فأخذ خطيب المسجد المكبر بعد الصلاة وقال في هذه الأيام يتكرر السؤال عن قضية كذا (مسألة متعلقة بسنن الصلاة والوضوء) وبدل الإجابة عن المسألة وتوضيحها على الأقل حسب قناعته، ذهب يذم السائلين ويلوم الخائضين مركزا عن أمر أدخل دهشة إلى قلبي لم تزل إلى يومنا؛ وهي قوله إن هذه القضية قد شرحها وبينها قبل عشرين سنة بيانا شافيا .. وأنه لا معنى للعودة إليها …الخ والأدهى من ذلك أنك حين تجمع أطراف كلامه لا تأخذ منه إجابة واضحة عن السؤال المطروح ..نظرت في الجالسين في الصفوف من حولي فإذا فيهم من هو دون العشرين ومن فاقها بقليل، وقلت في نفسي إذا كان فعلا شرح المسألة في درس قبل عشرين سنة، فهل الناس كلهم حضروا درسه يومها، ثم أليس من حق هؤلاء الشباب الذي كانوا جالسين يستعمون إلى ذلك اللوم والتوبيخ أن يتعلموا هم أيضا تلك المسألة منه وهو فقيه المسجد ..إن المسألة ليست من جنس النوازل التي يجتهد فيها العالم مرة في العمر، بل هي من أوليات الفقه التي يحتاج الناس إلى تعلمها ويجب على الإمام المدرس أن يكررها كل عام أو عامين لتجدد الحاضرين في المسجد ..قلت وأنا التمس له العذر- متأسفا -بأنه كان يظن أن ترجيحه فيها سيقضي على الخلاف وعلى الكلام فيها إلى قيام الساعة.. وأزيد اليوم على ذلك فأقول: سبحان الله بدلا من أن يوبخ نفسه على تقصيره في التدريس حيث اعترف بلسانه أن هذه المسألة لم يتعرض لها منذ عشرين سنة؛ راح يجعل من ذلك منقبة له بأنه شرحها منذ دهر، وراح يوبخ السائلين المتعلمين ومن خاض في المسألة بحثا وطرحا؛ وكأنهم مشوشون مهددون للنظام العام في المسجد، لقد كان انفعالي شديدا يومها بسبب مستوى تفكير ذلك المتحدث، ولعل ذلك سبب رسوخ الحادثة في ذهني وعدم مفارقتها لذاكرتي .. ولعل مما زاد في الانفعال أنه جعلنا نعيره أسماعنا ننتظر الفائدة، فتكلم طويلا ..لكن لم يقل شيئا ..
وهكذا هو حال كثير من كتاب الفيسبوك هذه الأيام ..