|

مما قد لا تجده في كتب السياسة

بقلم : د. محمد الحاج عيسى

كان حاكم تونس العثماني محمد باي قد مدحت سيرته ورضيت أحكامه؛ لكن أحد قادته كان يحتال على الرعية في الجباية إذا قبض منهم المال، حيث كانت الأوقية التي يضع في كفة ميزانه ليقبض بها زائدة بنحو ثمن الوزن، فكان يأخذ ذلك الزائد لنفسه ولا يورده إلى بيت المال، فتذمرت الرعية من صنيعه هذا وانتدبوا من رفع أمره إلى محمد باي؛ فلما سمع منهم شكواهم وذكرهم لقائده سارع إلى نهرهم وتوبيخهم، وأظهر لهم رفضه لتظلمهم وقال لهم: “إني لا اعتقد صحة ما ذكرتم في حق هذا القائد وإنما هذا زور وبهتان”. فانصرفوا خائبين، ولكنه بعد انصرافهم أرسل خلف القائد المشار إليه من أتى به، فأخذه على حين غرة، فلما امتحن معيار ميزانه وجده كما ادعى من رفع الشكوى، فأصدر فيه حكما قاسيا جزاء صنيعه ليجعله عبرة لغيره، وأمر بأن يحمى المعيار الذي كان يزن به؛ فيكوى به من أعلى رأسه إلى أسفل قدميه.

…..

ولعلك تتساءل في سبب نهره للمشتكين والتظاهر برفض دعواهم وتستغرب ذلك؛ والواقع أنه لا غرابة في صنيعه؛ فإن هؤلاء المشتكين رفعوا دعوى من غير أن يقيموا عليها بينة قاطعة وإنما هي شهادة يمكن أن تعارض بمثلها، ومن واجب الحاكم ألا يميل إلى طرف حتى يتبين ويسمع من الجميع.

فإن قلت كان يسعه أن يسجل أقوالهم إلى حين التبين دون تكذيبهم ونهرهم.

قي: لعله لم ير من الحكمة أن يفعل ذلك من وجهين:

الأول: حتى لا يظن الناس أنه يولي من لا خبرة له بأمانته؛ حيث تطرق إليه الشك من أول شكاية وردت إليه.

والثاني -وهو الأهم- أنه لو أبان لهم قبول شكواهم، وأنه سيتبين من دعواهم في حق هذا القائد؛ لربما كان سريان خبر عزم الحاكم أسرع إلى من فعله؛ فيجد القائد الخائن فسحة من الزمان لتغيير المعيار الذي كان يزن به أموال الناس، فتبطل الحجة الدامغة عليه، وربما يختار الفرار بنفسه والتواري فتتعذر معاقبته.

انظر أصل الخبر في الحلل السندسية 2/ 562

Similar Posts