القرآنيون الحق
أدهم الشبيب
يكثر بين ظهرانينا اليوم نفر يتسمون بأسماء حقة ويلصقون أنفسهم بأوصاف محمودة، فتلك منظمة إنسانية وهذه مؤسسة خيرية وهذا رجل بر وذلك رجل تقوى، ولكنك لو فتشت ما وراء ذلك بعين المرتاب وخرجت من التلقي الأعمى لوجدت الاسم لا ينطبق على المسمى والصفة لا تنبئ عن الموصوف، فإنما التسميات تنبئ عنها الأفعال وليس أن يدعي مدع أنه أمين فنصدق أنه كذلك، فكم من رجل اسمه صادق وهو كذاب، وامرأة اسمها عفيفة أو بتول وهي ليست بعفيفة ولا بتول، بل إني قابلت نساء باسم “عذراء” يصطحبن أولادهن، فهل تنجب العذراء! إنما هي تسميات.
وكذا في أمر الدين والتدين والمذاهب والتمذهب، فقد ادعى قوم أنهم سلفية وقتلوا الناس ظلما أو على الظن أو الفتوى، ولم يكن أسلافهم يفعلون، وجاء بعدهم من يخرجون عن حكم العبد إلى حكم الله فإن وضعتهم تحته زاغوا، وظهر قوم يدعون التشيع ولم نرهم يتشيعون، وآخرون يدعون التصوف وليسوا متصوفين، وآخر من ظهر قوم يكثرون التشبث بالقرآن -وما أحلى ذلك لو صدق- ولكنهم على غير منهاجه وعلى ضد هداه.
فطلبوا من الناس أن يسموهم “القرآنيون” ولم يوقفوهم ويحاكموهم بالقرآن ليتبينوا إن حق لهم الاسم أم لا يستحقون، وهذا ديدن الناس فقد قبلوا من المنظمة الإنسانية اسمها وهي تسرق أموال المحسنين، وقبلوا من المؤسسة الخيرية وصفها وهي تثقف للفسدة من السياسيين، وقبلوا من “صادق” اسمه وهو من “الكذابين”.
فأين ما يدعيه هؤلاء من انتسابهم إلى القرآن حتى تسموهم به، أوَقال القرآن اتركوا سنة النبي واهجروها أم قال :﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ أوقال القرآن إنه لا حاجة لتبيان النبي أم قال: ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ، أوقال القرآن فسّروا آياتي كما تشتهون حتى وإن كنتم جاهلين أم قال ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أوقال القرآن كل يأخذ حكمه كما يشاء أم قال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ ۗ﴾
أو قال القرآن انكروا السيرة وأخبار الأمم الأولين! أم قال: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ والمكذبين وجزاء المؤمنين ومصير الكافرين! أوقال القرآن إن آياته كلها محكمات أم قال ﴿وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٌ ۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنْهُ﴾ أوقال القرآن إنه بلسان يفهمه كل أجنبي ويقدر عليه كل عامي أم قال ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ، أوقال أو قال أو قال ،،
أم بيّن لنا القرآن كيف نصلي ومتى أم كيف نحج أو كيف نفطر وكيف نصوم أو كيف نتزوج وكيف نتطهر أم كيف نتعاقد وكيف نبيع وكيف نستأجر وكيف نتشارك أم كيف نحارب أو متى نجاهد أم بينَ أم بينَ أم بين،، مئات بل آلاف من أمور وتفاصيل وعبادات ومعاملات وخراج واقتصاد وقضاء وسياسة ودولة ومجتمع، كان القرآن فيها هاديا وعاما ومجملا ومحكما ومصدر استنباط وخريطة طريق،
قال أحدهم يوهم نفسه وغيره :”كم أتمنى لو أن النبي ترك لنا شيئا غير القرآن كأن تكون شروحات أو توضيحات أو نصائح أو حكماً أو وصايا أو أي كلمة ننتفع بها ولكن يبدو أن الله منعه من ذلك كي لا يلتفت الناس إلى غير القرآن والله أعلم .” وأنا أقول له: كنت أتمنى لو أن النبي ترك لنا قرآنا، يبدو أن الله لم ينزل عليه شيئا ! فهذا هو المنطق عند من يتسمون “خطأ بالقرآنيين، فإنكم إن أنكرتم ما نقلوه غير القران من سنة النبي وتقولون إنهم اختلقوها فلماذا أقررتموهم على القرآن، أوليس هم من نقلوه! فإن قلت ولكن الله قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ،،﴾ سأقول لك :فلربما اختلقوا هذا النص ايضا ، فإن قلت وحي، سأقول لك وما أدراك فلعلهم اختلقوا قصة الوحي أيضا، فإن استدللت علي بالقرآن فسأستدل عليك منه :” فإن قلت إنهم لم يختلقوا آيةالحفظ ،سأقول لك فإذن هم لم يختلقوا ﴿،،،وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُوا﴾ ولم يختلقوا: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍۢ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِى ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾
ويظهر لك من هذا من هم القرآنيون الحق، ومن هم الذين يزيغون عنه﴿ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ ۗ﴾ ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ ۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلْأَلْبَٰبِ﴾
والحمدلله رب العالمين