التفصيلُ والسَبْر في حُكْم سَبِّ الدَّهْر

بقلم : الشيخ عبد المنعم البدراني

يقولُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم :(قال الله تعالى: يؤذيني ابنُ آدم يسبّ الدّهر وأنا الدّهر أقلّب الليل والنهار). رواه الشيخان

ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :(لا تَسُبُّوا الدَّهْرَ، فإنَّ اللَّهَ هو الدَّهْرُ) رواه مسلم

وفي الحديث جملة من المسائل:

الأولى: قوله تعالى في الحديث القُدُسِيِّ :(يؤذيني ابن آدم) وفيه دليلٌ على أن بعض أفعال البشر وأقوالهم تؤذيه جل وعلا ومما يؤيد ذلكَ قوله تعالى في سورة الأحزاب :((إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا (57)

الثانية: قوله تعالى في الحديث القدسي:(يسبّ الدّهر)

وهذا هو سببُ إلحاقِ الأذى باللَّهِ تعالى

الثالثة: قوله تعالى في الحديث القُدُسِيِّ :(وأنا الدهر) أي أنا مقدِّرُ المقادير في الدهر وهو الزمان والأيام والسنين والشهور والساعات كل ذلك يدخل في مسمى الدهر ويدل على هذا المعنى قوله تعالى في الحديث القُدُسِيِّ :(أقلّب الليل والنهار) اي أُقَدِّرُ المقادير في الليل والنهار فإذا سُبَّ الزمانُ أو الدهرُ فإنما السبُّ يقع على المُقَدِّرِ لتلك المقادير في ذلك الزمان وهو اللَّهُ تعالى

الرابعة: الدهرُ ليس من أسماء الله تعالى وإنما قوله تعالى في الحديث القُدُسِيِّ: (أنا الدهر) أي أنا خالق الدهر ومقدر المقادير فيه.

الخامسة: ألفاظ السب

وهي كثيرة ومنها: قولهم تبّاً للدهر أو يا لخيبة الدهر أو لُعن الزمان أو تعس الدهر والزمان أو بئست الأيام.

ويدخل في جنس السبِّ وَصْفُ الأيامِ بالجَوْرِ والظلم أو التَّعَدِّي لأنها تجري بقضاء الله وقدره وحكمته فإذا وُصفت بالظلم أو الجَوْرِ فإنما هو وصفٌ يلحق بقضاء الله وقدره الذي يُقَلِّبها ويجري بها ويُسيِّرها.

انظر وتأمل يرحمك الله.

ملاحظة:

ولا يمنع ذلك من وصف الزمان أو الوقت بالشِّدَّةِ فإنما قدر الله تعالى يُسيِّر الأيام بالشدة أحياناً وباليُسْرِ أحياناً أخرى ومنه قوله تعالى في سورة يوسف:((ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ (48)

فهذا ليس من السبِّ في شيء

أو أن يُقَيَّدَ الوصف بأيام محددة مثل قوله تعالى في سورة فصلت:((فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ (16)

فقوله تعالى :((فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ)) هو توصيف مُقَيَّدٌ بأيامٍ نحساتٍ على قوم عاد وليس من جنس إطلاق الوصف على كل أيام الدهر فإن من أيام الدهر ما جرى القدرُ فيه بالنحاسة على قومٍ مثلِ قومِ عاد عقوبة لهم، وإنَّ من أيام الدهر ما جرى به القدرُ بالبركة والخير والرحمة على قوم كالمسلمين مثوبةً لهم مثل أيام رمضان وأيام الحج والجمعة وليلة القدر وأشباه ذلك.

فلا يُعَدُّ هذا الوصفُ من جنس السبِّ للدهر.

فائدة

قوله تعالى في سورة التوبة :((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)

وفي الآية توصيف وأمران:

فأما التوصيف، فهو توصيف المنادى بالإيمان في قوله جل وعلا :((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) وهذا يدل على أن الأمر بعده من لوازم الإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.

فأما الأمر الأول، فقوله تعالى:((اتَّقُوا اللَّهَ))  والتقوى هي من أعظم لوازم الإيمان

وأما الأمر الثاني، فقوله تعالى:((وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)

وهذا الأمر الثاني هو من لوازم الإيمان والتقوى، فالمؤمن التقي هو الذي يتحرّى صحبة الصادقين، ومفهوم المخالفة يقتضي أن الكافرَ أو الفاجرَ يتحرّى صحبة الكذابين.

فمن هؤلاء الذين  أشار الله إليهم بالصدق وشهد لهم به وأمرنا أن نكون معهم؟

الجواب في سورة الحجرات في قوله تعالى :((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15)

فهذه صفات الصادقين:

أولاً: إيمانٌ بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم من غير ارتياب أو شك بلقاء الله تعالى وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم فيما بلّغَ عن ربِّه كتاباً وسنة.

ثانيا: جهاد في سبيل الله بالمال والنفس، فلا مالٌ يُشَحُّ به على الله تعالى، ولا نفس يُبخَل بها عليه سبحانه.

والناسُ في هذا المقامِ مراتبُ:

فقسمُ يبخل بالمال والنفس على الله تعالى وأؤلئك هم المنافقون.

وقسمٌ لا يملك المالَ فيجود بنفسه في سبيل الله فاؤلئك مع الصادقين.

وقسمُ يملك المال فيفيض به في سبيل الله وتعزُّ عليه نفسه، ففيه نوع صدق وليس الصدق كله.

وقسم يفيض بالمال والنفس نصرةً لله ورسوله صلى الله عليه وسلم و:((أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ))

Similar Posts