(الصحبة الصالحة) كم أحب هؤلاء !
علي صالح طمبل
ما إن أراهم حتى ترتاح نفسي، ويطمئن فؤادي، وينشرح صدري، وتسكن جوارحي، وتفارقني الهموم والآلام.هم الذين يذكِّرونني بالله إذا نسيت، وينصحونني إذا قصّرت، ويرشدونني إذا أخطأت، ويقيلون عثرتي، ويفرحون لفرحي، ويحزنون لحزني، ويقفون إلى جانبي في السراء والضراء، لا يتلونون ولا يداهنون.من وجوههم يطل بهاء الطاعة، ومن عيونهم يهلُّ نقاء السريرة، ومن كلامهم يضوع صفاء الصدق؛ أشعر بالطمأنينة والأمان إذا كنت بينهم، وأحس بالفخر والإعزاز إذا سرت وسطهم.يتلقونني بالبشر والتَّرحاب، وتتهلل أساريرهم فرحاً برؤياي، ويغشاهم الحزن لفراقي، ويحدوهم الشوق للقائي؛ يسعدون بصحبتي، ويأنسون بحديثي، ويدعون لي بالخير.لا تسمع منهم إلا حُسناً، ولا ترى منهم إلا خيراً، يطيب بهم الأُنس، ويحلو معهم السمر، يلينون الكلام، ويتخيرون أطايبه، وينأون عن الهمز واللمز، ولا يغتابون أحداً، ولا يسعون بين الناس بالنميمة، فلا تملُّ حديثهم، ولا تضيق من المقام في حضرتهم.بين أيديهم أطرح همومي، وأنسى أحزاني، وتصغر الدنيا في عيني، ويتعلق قلبي بالله، وينشغل فكري بالدار الآخرة، وأسارع لتجديد إيماني حين يدعوني داعيهم: (قم بنا نؤمن ساعة).تجدهم حيث أمرهم الله، وتفقدهم حيث نهاهم، لا مقام للشيطان بينهم، ولا مكان للهوى عندهم، يتعاونون على البر والتقوى، ويوالي بعضهم بعضاً.جمعني بهم الحب في الله، وربطتني بهم الأخوة فيه، فكانت علاقتنا أوثق عرى الإيمان، حين نأت عن المصالح الدنيوية، وسمت عن المآرب الذاتية.إنهم الصحبة الصالحة التي يسعد بها الإنسان في دنياه وآخرته، فمن اختار صحبة صالحة أعانوه على الصلاح والتقوى، ومن اختار غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.قال تعالى: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الرجلُ على دين خليلِه، فلينظُر أحدُكم من يُخالِل)؛ [صحيح سنن أبي داود (4833)]، وقال عليه الصلاة والسلام: (لا تصاحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي) [صحيح سنن أبي داود (4832)].وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (لولا ثلاث في الدنيا لما أحببت البقاء فيها: لولا أن أحمل أو أجهز جيشاً في سبيل الله، ولولا مكابدة هذا الليل، ولولا مجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما يُنتقَى أطايب التمر).ورحم الله من قال:عاشِرْ أخا الدِّين كي تحظَى بصُحبَتهِ *** فالطبعُ مُكتسَبٌ من كل مصحوبِكالرِّيحِ آخِذةٌ ما تمرُّ به *** نتنًى من النَّتنِ أو طيبًا من الطِّيبِورحم من قال:ولا تجلِس إلى أهل الدنايا ***فإن خلائِقَ السُّفهاء تُعدِيومن قال:وصاحِب خيارَ الناس تنجُو مُسلَّمًا****وصاحِب شِرارَ الناس يومًا فتندَمَافالصديق الصالح لا تجد منه إلا الخير والوفاء كصاحب الطيب الذي تشتري منه، أو على الأقل تشتمُّ منه رائحة طيبة.أما الصديق السيء فلا تجد منه إلا الشر والغدر كنافخ الكير الذي يُحرق ثيابك، أو على الأقل تجد منه رائحة خبيثة. وفي الحديث: (إنما مثلُ الجليس الصالِح وجليس السوء كحامِل المِسك ونافِخ الكِير؛ فحامِلُ المِسك إما أن يُحذِيَك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجِد منه رِيحًا طيبة، ونافِخُ الكِير إما أن يُحرِق ثيابَك، وإما أن تجِد منه ريحًا مُنتِنة»؛ متفق عليه.اللهم اجمعنا بإخواننا فيك على منابر من نور يوم القيامة، وعلى سرر متقابلين في جنات النعيم، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، إنك رؤوف رحيم.