منحةُ أولي الألباب في تبيان أهمية الأنساب

بقلم : الشيخ عبد المنعم البدراني

قال الله تعالى في سورة الحجرات:((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)

وفي الآية جملة من المسائل:

الأولى: قوله تعالى :((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ)) وفيها وجهان:

الأول: إن الذكر والأنثى هنا يعني آدم وحواء عليهما السلام

الثاني: إن الذكر والأنثى هنا هما الأبوان فكل إنسان خلقه الله من نطفةِ ماء ابيه وأمه ولا يستثنى من هذا الخلق إلا عيسى عليه السلام.

وهذه الآية العظيمة هي من أعظم الأدلة على توحيد الآدمية بين جميع الناس فلا فرق بينهم في أصل الخلق والإيجاد والنشأة.

الثانية قوله تعالى :((وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ)) وهذا هو الجعلُ القدري الكوني الذي أراد الله تعالى به تنوعَ أنساب خلقه و تنوع انتمائهم الشعبي والقبلي والاجتماعي.

الثالثة: قوله تعالى:((لِتَعَارَفُوا)) واللام في هذه الكلمة هي لام التعليل والحكمة؛ ألا وهي التعارف بين الناس في أنسابهم وأعراقهم وانتمائهم الاجتماعي.

ومن التعريف الشرعي المتعلق بالأنساب هو حقوق صلة الأرحام وحقوق أهل الفرائض في المواريث ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:( تَعَلَّموا من أنسابِكم ما تَصِلُونَ به أرحامَكم) رواه الإمام أحمد وغيره.

أما اتخاذ الأنساب والأعراق للتفاخر والتباهي والتعالي على خلق الله تعالى فتلك من الجاهلية وليست من الإسلام في شيء ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :(أربعٌ في أمَّتي من أمرِ الجاهليةِ، لا يتركوهنَّ): وذكر منها:( الفخرُ في الأحسابِ، والطعنُ في الأنسابِ) رواه مسلم في صحيحه.

الرابعة: قوله تعالى :((إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ))

وهذا هو الميزان الذي يزن الله تعالى الناس به غداً يوم القيامة ألا وهو ميزان التقوى والصلاح ومنه قوله تعالى في سورة المؤمنون :((فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101)

ولقد بيَّنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة جلية وواضحة كما في قوله صلى الله عليه وسلم :(وَمَن بَطَّأَ به عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ به نَسَبُهُ) جزءٌ من حديث رواه مسلم في صحيحه.

وروى الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:

قَامَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) قَالَ : ( يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ – أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا – اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ ، لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لاَ أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ).

فائدة

تنبيه الغافلين إلى مباهاة الله الملائكة ببعض عباده المؤمنين

صفة مباهاة الله تعالى الملائكة ببعض خلقه من المؤمنين

ثابتة في أحاديث رواها الإمام مسلم في صحيحه.

ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم :(خرَج علَى حَلْقَةٍ مِن أَصحابِه فَقَالَ: مَا أَجْلَسكُمْ؟ قالوا: جلَسْنَا نَذكُرُ اللَّه، ونحْمدُهُ علَى ماهَدَانَا لِلإِسْلامِ، ومنَّ بِهِ عليْنا. قَال: آللَّهِ مَا أَجْلَسكُمْ إِلاَّ ذَاكَ؟ قالوا: واللَّه مَا أَجْلَسنا إِلاَّ ذَاكَ. قالَ: أَما إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهمةً لكُمْ، ولِكنَّهُ أَتانِي جبرِيلُ فَأَخْبرني أَنَّ اللَّه يُباهِي بِكُمُ الملائكَةَ )

ومنها قوله صلى الله عليه وسلم وفي صحيح مسلم أيضا من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبيداً من النار من يوم عرفة، إنه ليدني، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء).

وسبب المباهاة هو تذكير من الله تعالى لملائكته باستفهامهم عن سبب خلق آدم عليه السلام وذريته، كما في سورة البقرة في قوله تعالى :((وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)

أي: إني أعلم أن منهم من هو صالح وعابد وتقي وصادق ومجاهد وَخَيِّر، وليس الأمر مقتصراً على المفسدين و القَتَلَة، وستثبتُ لكم الأيام ذلك.

وبعث الله الرسل، وكان خاتمهم وسيدهم محمداً صلى الله عليه وسلم، وكانت أمته خاتمة الأمم التي تحمل أعباء النبوة والرسالة والتبليغ وإقامة دين الله ونهجه وشرعه.

فظهر فيهم المجاهدون والمصلحون والصادقون والصائمون والآمّون المسجد الحرام يبتغون فضلاً من ربهم ورضوانا، فتباهى الله بهم أمام ملائكته، وأظهر الحكمة البالغة في خلقهم وإيجادهم. ومن جنس التباهي ما ورد في الحديث عن أَبي هُريرةَ قالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: (يَتَعَاقَبُونَ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وملائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيجْتَمِعُونَ في صَلاةِ الصُّبْحِ وصلاةِ العصْرِ، ثُمَّ يعْرُجُ الَّذِينَ باتُوا فِيكم، فيسْأَلُهُمُ اللَّه وهُو أَعْلمُ بهِمْ: كَيفَ تَرَكتمْ عِبادِي؟ فَيقُولُونَ: تَركنَاهُمْ وهُمْ يُصَلُّونَ، وأَتيناهُمْ وهُمْ يُصلُّون). متفقٌ عَلَيْهِ.

فقوله صلى الله عليه وسلم:(فيسْأَلُهُمُ اللَّه وهُو أَعْلمُ بهِمْ: كَيفَ تَرَكتمْ عِبادِي؟) يشبه قوله تعالى في الحديث القدسي بشأن أهل عرفة:((ما أراد هؤلاء؟))

فهذا السؤال من جنس مباهاة الله تعالى ملائكته بالمصلين، لأن الله تعالى قد علم صلاتَهم وتسبيحَهم وذكرَهم له.

فيكون سؤال الملائكة نوع مباهاة واعتزاز من الله تعالى بالمصلين الذين هم على صلواتهم يحافظون

وهذه المباهاة سببها أنهم قد جاؤوا بأحب الأعمال إلى الله تعالى، ألا وهي الصلاة على وقتها، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم حين سىئل عن أحبِّ الأعمال إلى الله فقال:(الصلاة على وقتها) متفق عليه.

فهنيئا لكم أيها المصلون المحافظون على صلواتكم فإن هذه المواظبة لها منزلة راقية وجليلة القدر عند ربكم جل في علاه.

والله تعالى أعلم وأحكم.

Similar Posts