تسلية الحزين في تبيان انقلاب الموازين

بقلم : الشيخ عبد المنعم البدراني

هذا المنشور هو سلوى لكل صاحب حق مظلوم، فإن انقلاب الموازين في تقييم الفعل أو الفرد أو الجماعة سنة كونية قدرية جرت على أشرف خلق الله ألا وهم الأنبياء والمرسلون.وسأحاول أن أجعلها على وقفات حتى لا أثقل على القارئ الكريمالوقفة الأولى:كثير منا يستثقل أن يُتهم بتهمة هي خلاف واقعه وحقيقته فإذا كان أحدنا مصلحًا قد يقول عنه بعض المغرضين إنه مفسدوإذا كان أحدنا صاحب حق قالوا عنه إنه صاحب باطلوإذا كان أحدنا صاحب سنة قالوا عنه صاحب بدعةوربما يتعرض إلى السخرية والاستهزاء والاستخفاف منه ومن الحق الذي معه وقس على ذلك كثيرا من الأمور.ومواساةً لهؤلاء جميعا أقول وبالله التوفيق: إذا جرى انقلاب الموازين والمواقف والتقييم في حق الأنبياء والمرسلين فإن جريانه على من هو دونهم من باب أولى.وسنستعرض معاً جملة من الأنبياء والمرسلين الذين تعرضوا لهذه السُنّة الكونية ابتلاءً من ربهم لهم وامتحاناً لصبرهم وجَلَدِهموأولهم هو أول الأنبياء المرسلين ألا وهو سيدنا نوح عليه السلام فإنه تعرض للسخرية من قومه وهو يصنع سفينةً في عرض الصحراء، ومنه قوله تعالى في سورة هود:((وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38).الشاهد قوله تعالى: ((سَخِرُوا مِنْهُ ۚ))فإذا سخر الناس من اول الأنبياء المرسلين فإن سخريتهم ممن دونه من باب أولى من الدعاة والعلماء والمصلحين والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.فلا يعوقنَّك سخريتهم أن تؤدي ما عليك من التبليغ ولتكن دعوتك هي دعوة نوح عليه السلام في سورة القمر:((فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (10)).الوقفة الثانية:ومن العبر في انقلاب الموازين هو ما وقع لسيدنا لوط عليه السلام فإن قومه قد أحدثوا معصية لم تكن قبلهم قطُّ في بني آدم ألا وهي إتيان الذكور دون الإناث كما قال الله تعالى على لسان سيدنا لوط عليه السلام وهو يخاطب قومه كما في سورة الأعراف: ((وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ (80))وهي أقبح معصية عرفها تأريخ البشرية لأن فيها انقلاب الفطرة وهو أبغض شيء عند الله تعالى الذي خلق عباده على فِطَرٍ سليمة فاجتالتهم الشياطين عنها إلى ما يضادّها ويتنافر معها.فلما نهاهم عنها سيدنا لوط تآمروا على إخراجه من قريته بحجة عجيبة تضمنها قوله تعالى في سورة النمل:((فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56)فصارت الطهارةُ عاراً وسُبَّةً يرفضها مجتمع تفشَّت فيه الرذيلة والعهر والنجاسة.انظروا وتأملوا أيها المتطهرون المترفعون عن النجاسات والخبائث من الذنوب والمعاصي كيف صرتم في نظر بعضهم من المتخلفين الرجعيين غير المتعايشين مع روح العصر وموضة القرن.وواجب عندهم محاربتكم وتطهير المجتمع من أفكاركم “المسمومة”وإنا لله وإنا إليه راجعونالوقفة الثالثة:ومن القرائن التي تدل على أن انقلاب الموازين لا يؤثر في إحقاق الحق وأنه يعلو ولا يعلى عليه قصة كليم الله موسى عليه السلام وكيف أن الطاغية فرعون يتهمه بتهمة عجيبة تنم على عقدة الشعور بالذنب الذي اقترفه بحق رعيته كما في قوله تعالى في سورة غافر  (إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26)فما كان يقوم به فرعون من جُرْمٍ مشهود بحق رعيته ألصقه بالكليم موسى عليه السلام وهما تهمتانالتهمة الأولى: ((إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ))فمن الذي بدل دينهم وجعلهم يعبدونهمن دون الله؟الثانية: ((أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26)فمن الذي أظهر أعظم الفساد حينما ادعى الربوبية من دون الله؟حيث قال الله تعالى مخبراً عن فرعون في سورة النازعات : ((فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعْلَى))من أظهر الفساد حينما عبّدَ بني إسرائيل لعبادته من دون الله؟هذا والله هو قمة انقلاب الموازين الوقفة الرابعة:وهي أخطر قضية انقلبت فيها موازين العدل والقسط ألا وهي أن يرى القاتلُ نفسه صالحاً، ومعلوم أن القتل هو أعظم ذنب بعد الشرك بالله ومنه قوله تعالى في سورة الفرقان:((وًالذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ))ومع هذا فإن من القتلة المجرمين الذين يسفكون دماء الأبرياء بغير حق يَعُدُّونَ أنفسهم من الصالحين المصلحين!ومن ذلك ما تواصى به أخوة يوسف عليه السلام كما في قوله تعالى: ((اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ ﴾وهل بعد قتل النفس ظلما صلاح؟وهكذا زين الشيطان للمجرمين جرائمهم وسفكهم الدماء المحرمة ويدّعون أنهم صالحون أو مصلحون ومنه كل أنواع هيمنة الدول الكافرة على بلدان المستضعفين في الأرض ويسمونه “استعمار”أي عمرانا لهذه البلاد وإصلاحا!وهم يقتلون الأبرياء ويسلبونهم حرياتهم وأموالهم ويدمرون حاضرهم ومستقبلهم، ومنه الاحتلال الأمريكي والإيراني للعراق بحجة الإصلاح، ومنه جميع الميليشيات المسلحة المجرمة التي تقتل الأبرياء بسم الله.فهذا حزب الله!وهذا جيش المهدي!وهذه عصائب أهل الحق!وهذه منظمة بدر!وهذه سرايا السلام!وهؤلاء أنصار الله! وجميعهم يدعون الصلاح والإصلاح بقتل واختطاف واعتقال وتغييب الأبرياء، وإنا لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا الله ونعم الوكيلالوقفة الخامسة الأخيرة: وفيه يظهر انقلاب الموازين جليّاً في موقف طواغيت العرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقد وصفوه بأوصاف خلاف حقيقته وتأريخه وأخلاقه الفاضلة وسيرته العطرة صلوات ربي وسلامه عليهفلما قال لهم إني رسول الله ونبيه قالوا عنه كذاب وقد كانوا يسمونه بالصادق الأمين في الجاهلية!ولما أعجزهم بكلام الله تعالى قالوا ساحر!ولما أعجزهم بفصاحته وبلاغته وبيانه وجوامع الكلم التي أوتيها من عند ربه قالوا عنه شاعر!ولما أتاهم بالغيوب التي أوحيت إليه من عند ربه قالوا عنه كاهن! ولما أتاهم بكل ما لم تبلغه عقولهم قالوا عنه مجنون!ولما جاءهم بعلوم الأولين والآخرين قالوا عنه مُعَلَّم اي علّمه اليهود والنصارى!ولما سماه ربه باسمه (مُحَمَّد) وهو اسم جامع لكل المحامد والصفات الحميدة له صلى الله عليه وسلم قالوا عنه: (مُذَمَّم)فيا أهل الحق والسنة لا يهولنَّكم ما يصفكم به أعداء الحق والسنة من صفات ذميمة ولا يعوقنَّكم عن الدعوة والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنها لا تضركم وأنتم تسمّوْن في الملأ الأعلى بأجمل الأسماء وتلقبون بأشرف الألقاب.

Similar Posts