أفلا يتدبرون القرآن .. (نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم)

بقلم : محمد الحسني

قال تعالى: يوم ترى المؤمنين والمؤمنات نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم (الحديد ايه 12)

يوم ترى: من المخاطب أي من هو الذي سيرى؟ ولماذا نورهم هو الذي يسعى وهم ألا يسعون؟؟ والمسألة الأخرى لماذا بين أيديهم وليس أمامهم ولماذا بأيمانهم وليس عن أيمانهم؟؟ وجملة بشراكم اليوم من قائلها؟ وهل ذلك هو الفوز العظيم من تمام البشرى أم هو استئناف جديد؟ وما مناسبة وضع ضمير الفصل (هو) بعد اسم الإشارة رغم ورود الآية في مواضع أخرى بذلك الفوز العظيم بدون هو؟ ونورد ما ذكره أهل التفسير وبالله التوفيق.

1. والخطاب في “ترى” لغير معين ليكون على منوال المخاطبات التي قبله، أي: يوم يرى الرائي، والرؤية بصرية… (التحرير /التنوير/ابن عاشور)

2. إنه تعالى أسند السعي إلى النور ولم يسنده إليهم فلم يقل (يسعون) لأن السعي قد يجهدهم، فأسنده إلى النور فدل على أنه يسعى بهم، فهو لم يقل إنهم يمشون، لأن المشي قد يكون فيه إبطاء، ولم يقل يسعون، لأن سعيهم قد يكون فيه إجهاد، ولكنه أفاد السعي من ذكر سعي النور… وقال (بين أيديهم) ومعنى (بين أيديهم) أمامهم، غير أنه لم يقل (أمامهم) لأن الأمام قد يكون بعيدا عن الشخص، فقد تسأل عن قرية فيقال: هي أمامك، وقد يكون النور أمامك ولا تتمكن من الاستضاءة به لبعده فقال بين أيديهم ٠٠٠

 (على طريق التفسير البياني/د. فاضل السامرائي) ٠

3. والباء في “بأيمانهم” بمعنى عن واقتصر على ذكر الأيمان تشريفا لها وهو من الاكتفاء، أي: وبجانبيهم، ويجوز أن يكون الباء للملابسة، ويكون النور الملابس لليمين نور كتاب الحسنات كما قال تعالى فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا فإن كتاب الحسنات هدى فيكون لفظ النور قد استعمل في معنييه الحقيقي والمجازي وهو الهدى والبركة. (التحرير والتنوير /ابن عاشور)

4. وإنما قال: بين أيديهم وبأيمانهم لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين: كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ومن وراء ظهورهم، فعجل النور في الجهتين شعارا لهم وآية: لأنهم هم الذين بحسناتهم سعدوا وبصحائفهم البيض أفلحوا، فإذا ذهب بهم إلى الجنة ومروا على الصراط يسعون: سعى بسعيهم ذلك النور جنيبا لهم ومتقدما. ويقول لهم الذين يتلقونهم من الملائكة بشراكم اليوم ٠٠٠

(تفسير الكشاف للزمخشري)

5. والظاهر أن النور يتقدم لهم بين أيديهم، ويكون أيضا بأيمانهم، فيظهر أنهما نوران: نور ساع بين أيديهم ونور بأيمانهم: فذلك يضيء الجهة التي يؤمونها، وهذا يضيء ما حواليهم من الجهات. وقال الجمهور: النور أصله بأيمانهم، والذي بين أيديهم هو الضوء المنبسط من ذلك النور. وقيل الباء بمعنى عن، أي عن أيمانهم، والمعنى: في الجميع جهاتهم. وعبر عن ذلك بالأيمان تشريفا بها.

(تفسير البحر المحيط أثير الدين الأندلسي)

6. المراد بهذا النور الهداية إلى الجنة، كما يقال: ليس لهذا الأمر نور، إذا لم يكن المقصود حاصلا، ويقال هذه الأمر له نور ورونق إذا كان المقصود حاصلا.

وقرأ سهل بن شعيب “وبإيمانهم” بكسر الهمزة، والمعنى: يسعى نورهم بين أيديهم وبإيمانهم حصل ذلك السعي، ونظيره قوله تعالى) :ذلك بما قدمت يداك (الحج : 10) أي :: ذلك كائن بذلك.

 (مفاتيح الغيب فخر الدين الرازي)

 7. قال الفراء: الباء بمعنى “في”، أي: في أيمانهم. أو بمعنى “عن” أي: عن أيمانهم. وقال الضحاك: نورهم هداهم وبأيمانهم كتبهم، واختاره الطبري. أي: يسعى إيمانهم وعملهم الصالح بين أيديهم، وفي أيمانهم كتب أعمالهم. فالباء على هذه بمعنى في ٠٠

 (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي)

8. وجملة “بشراكم” إلى آخرها مقول قول محذوف والتقدير: يقال لهم، أي يقال من جانب القدس، وتقوله الملائكة، أي يسمعون كلاما يخلقه الله يعلمون أنه من جانت القدس وجملة ذلك الفوز العظيم يحتمل أن يكون من بقية الكلام المحكي بالقول المبشر به، ويحتمل أن يكون من الحكاية التي حكيت في القرآن، على الاحتمالين، فالجملة تذييل تدل على مجموع محاسن ما وقعت به البشرى. واسم الإشارة للتعظيم والتنبيه، ضمير الفصل لتقوية الخبر.

 (التحرير والتنوير /ابن عاشور)

9. قال (ذلك هو الفوز العظيم) ولم يقل (ذلك فوز عظيم) وإنما عرف الفوز بأل للدلالة على القصر وعلى أنه لا فوز أعظم منه، ثم جاء بضمير الفصل للزيادة في التوكيد.

ثم إن الأمر يعظم ويكبر بعظم قائله فإن الفوز الذي يذكره طفل أو رجل من ضعفة الناس يختلف عن الفوز الذي يذكره قائد أو ملك. فكيف وقد ذكره ملك الملوك ووصفه بالعظمة وقصره وأكده؟؟

 (على طريق التفسير البياني /د. فاضل السامرائي)

10. والمشهد هنا بإجماله وتفصيله جديد -بين المشاهد القرآنية -وهو من المشاهد التي يحييها الحوار بعد أن ترسم صورتها المتحركة رسما قويا. فنحن الذين نقرأ القرآن اللحظة نشهد مشهدا عجيبا. هؤلاء هم المؤمنون والمؤمنات نراهم. ولكننا نرى بين أيديهم وبأيمانهم إشعاعا لطيفا هادئا. ذلك نورهم يشع منهم ويفيض بين أيديهم. فهذه الشخوص الإنسانية قد أشرقت وأضاءت وأشعت نورا يمتد منها فيرى أمامها ويرى يمينها…إنه النور الذي أخرجها الله إليه وبه من الظلمات. والذي أشرق في أرواحها فغلب على طينتها. أم لعله النور الذي خلق الله منه هذا الكون وما فيه ومن فيه. ظهر بحقيقته في هذه المجموعة التي حققت في ذواتها حقيقتها ثم ها نحن أولاء نسمع ما يوجه إلى المؤمنين والمؤمنات من تكريم وتبشير: بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، ذلك هو الفوز العظيم.

(في ظلال القرآن /سيد قطب)

الخاتمة: أي طمأنينة ينشئها هذا الكتاب العزيز؟ وأي سكينة يفيضها على القلب؟ وأي ثقة في الحق والخير والصلاح؟ وأي قوة واستعلاء على الواقع الصغير يسكبها في الضمير؟ وينتهي بك إلى يقين جازم حاسم… إنه لا صلاح لهذه الأرض، ولا راحة لهذه البشرية، ولا طمأنينة لهذا الإنسان، ولا رفعة ولا بركة ولا طهارة، ولا تناسق مع سنن الكون وفطرة الحياة.. إلا بالرجوع إلى الله… والرجوع إلى الله له صورة واحده وطريق واحد.. واحد لا سواه.. إنه العودة بالحياة كلها إلى منهج الله الذي رسمه للبشرية في كتابه الكريم.

إنه تحكيم هذا الكتاب وحده في حياتها. والتحاكم إليه وحده في شؤونها. وإلا فهو الفساد في الأرض، والشقاوة للناس، والارتكاس في الحمأة، والجاهلية التي تعبد الهوى من دون الله: إن الاحتكام إلى منهج الله في كتاب ليس نافلة ولا تطوعا ولا موضع اختيار، إنما هو الإيمان… أو فلا إيمان

والأمر إذن جد.. إنه أمر العقيدة من أساسها.. ثم هو أمر سعادة هذه البشرية أو شقائها!

والحمد لله رب العالمين  

Similar Posts