التشابه اللفظي والإختلاف المعنوي في القرآن
بقلم : الشيخ عبد المنعم البدراني
هناك ألفاظ تشترك في البناء اللفظي ولكنها تختلف في المراد المعنوي، ومنها قوله تعالى في سورة المؤمنون :((قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)).
فالخشوع هنا هو السكينة والهدوء والصمت والطمأنينة بذكر الله تعالى.
اما قوله تعالى في سورة الغاشية :((وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2))
أي ذليلة مهانة من الخزي والعار والفضيحة والشنار بعذاب النار.
وهناك معنى أعم يشمل المؤمنين والكافرين. وغيرهم من الخلائق، ومنه قوله تعالى في سورة طه :((وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (108)). والخشوع هنا هو السكون والصمت المطبق،
وهذا واقع يوم القيامة على كل الخلائق فلا تسمع لأحد منهم صوتا الا همساً، والهمس هنا ليس كلاما إنما هو صوت أقدامهم وهم يساقون إلى أرض المحشر والحساب، فإ ن صوت الأقدام يسمى همسا عند العرب كما نقل ذلك الطبري في تفسيره عن ابن عباس وغيره من السلف وهو أقوى دلالة على المراد ممن قال هو الصوت الخفي وذلك لعموم قوله تعالى :((وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ)).
والله تعالى أعلم وأحكم.
توضيح:
كشف الغُمَّة
في تبيان أن الجماعة السلفية هي أغلب الأمة:
إن من فضل اللَّهِ تعالى على أمة سيدنا مُحَمَّدٍ صلى اللَّهُ عليه وسلم بأن سوادها الأعظم في مشارق الأرض ومغاربها لا يُحسبون الا على فطرة الإسلام وهو منهج السلف الصالح.
فإذا نظرنا إلى الملايين المجتمعة في عرفة مثلا، وسألنا سؤالا:على اية فئة أو جماعة من المسلمين نحسب هؤلاء؟
فالجواب: أنهم يُحسبون على الأصل عند الإطلاق، والأصل هو ما كان عليه النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وأصحابه الكرام ومن تبعهم بإحسان.
فلا يجوز شرعاً ولا ديناً أن يُحسب عامة المسلمين إلا على منهج السلف الصالح و لا يجوز شرعا ولا دينا إخراج أحد من دائرة منهج السلف إلا من بعد أن تتبين عقيدته ومنهجه وفهمه.
ولذلك كان أغلب أهل الجنة من أهل الإسلام كما جاء في الحديث الصحيح:(والذي نَفْسِي بيَدِهِ، إنِّي أرْجُو أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ، فَكَبَّرْنا، فقالَ: أرْجُو أنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ، فَكَبَّرْنا، فقالَ: أرْجُو أنْ تَكُونُوا نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ، فَكَبَّرْنا، فقالَ: ما أنتُمْ في النَّاسِ إلَّا كالشَّعَرَةِ السَّوْداءِ في جِلْدِ ثَوْرٍ أبْيَضَ. أوْ كَشَعَرَةٍ بَيْضاءَ في جِلْدِ ثَوْرٍ أسْوَدَ). رواه البخاري في صحيحه.
ومنه قوله صلى اللَّهُ عليه وسلم :(أهلُ الجنَّةِ يومَ القيامةِ عشرونَ ومِئةُ صَفٍّ، أنتم منها ثمانونَ صَفًّا). رواه الإمام أحمد
وعليه، فإن أهل البدع والأهواء في الأمة كالشعرة السوداء في الثور الأبيض، وإن السواد الأعظم هم من الفرقة الناجية إن شاء اللَّهُ تعالى.
وبناءً على ذلك فإن قوله صلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :(وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة) يدلُّ على أمرين:
الأول:إن الثنتين والسبعين فرقة هي ليست أكثر ولا أكبر من الفرقة الناجية، وأنما كثرة الفرق مقيَّدٌ بجزءٍ قليل من هذه الأمة المرحومة التي تمثل ثُلُثَيْ أهل الجنة.
الثاني:قوله صلى اللَّهُ عليه وسلم:(كلها في النار) لا يلزم القطع بدخولها النار، وأنما هذا اللفظ هو من ألفاظ الوعيد بالنار، أي إنها معرضة الوعيد بعذاب النار وداخلة في المشيئة الإلهية، إن شاء عذبهم ، وإن شاء عفا عنهم، لما معهم من الإيمان والإسلام، فيكون حكم الثنتين والسبعين فرقة هو حكم أصحاب الكبائر، بدلالة قوله صلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :(وستفترق أمتي) فهم من أمته مسلمون ولكنهم أهل بدع وأهواء، وإن بدعهم مفسقة وليست مكفرة، فلو قضى اللَّهُ تعالى عليها أوعلى بعضها بالنار فإنها لن تخلدَ فيها؛ وإنما سوف تخرج من النار وتدخل الجنة بإحدى ثلاث:
1_بعفو من اللَّهِ تعالى
2_بشفاعة الشفعاء النبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وغيره.
3_انقضاء المدة التي يقضي بها اللَّهُ تعالى عليهم بها،ثم يخرجون من النار ويُغمسون بنهر “الحياة” فينبتون من جديد كما تنبت الحبة في السيل، ثم يدخلون الجنة والحديث أصله متفق عليه بين الشيخين في صحيحيهما.
فلا أحد من أمة مُحَمَّدٍ صلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخلد في النار.