تحرير المعاني في الأثر العزيز عن سيدنا عمر بن عبد العزيزالشيخ

عبد المنعم البدراني

روى الحاكم في مقدمة كتابه “معرفة علوم الحديث” بسنده عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزير رضي الله عنه أنه قال: “ما سرَّني لو أنَّ أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا” .

وفي هذا الأثر العزيز جملة من المسائل:

الأولى: قوله رحمه الله: “ما سرَّني “أنهم لم يختلفوا

أي: سرَّني اختلافهم وأفرحني وأبهجني.

الثانية: الاختلاف الذي أثلج صدرَ أمير المؤمنين هو اختلاف التنوع بين الصحابة في أوجه التفسير والفقه والحديث في الأدلة الظنية الثبوت أو ظنية الدلالة مثل اختلافهم في فهم قول النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَومَ الأحزَابِ: (لا يُصَلِّيَنَّ أحَدٌ العَصْرَ إلَّا في بَنِي قُرَيْظَةَ فأدْرَكَ بَعْضُهُمُ العَصْرَ في الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا نُصَلِّي حتَّى نَأْتِيَهَا، وقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرِدْ مِنَّا ذلكَ، فَذُكِرَ ذلكَ للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَلَمْ يُعَنِّفْ واحِدًا منهمْ.) رواه البخاري في صحيحه.

وهذا الإقرار من رسول الله صلى الله عليه وسلم لكلا الفريقين دليل دامغ ومعتبر في تقرير اختلاف التنوع السائغ المحمود.

أنظر وتأمل يرحمك الله.

الثالثة: اختلاف التضاد المحمود وقع بين الصحابة أيضاً في التفسير والفقه والحديث، وهو اختلاف مبني على قرائن شرعية أو لغوية أو عقلية أو عرفية مثل اختلافهم في معنى القُرء في قوله تعالى:((وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ ))228 سورة البقرة

فالقُرءُ عند بعضهم الحيض وعند بعضهم الطهر وهو تضاد محمود لأن “القُرء” من الفاظ الأضداد التي تحمل المعنى وضده.

فيكون الترجيح بينهما بالقرائن

الرابعة:لم يقع إختلاف التضاد المذموم بين الصحابة قطعاً وقولاٌ واحدا.

والمقصود بإختلاف التضاد المذموم هو الاختلاف المذموم في أصول الدين والعقيدة

فإن الصحابة كانوا على مذهب واحد في أصول الاعتقاد الستة ألا وهي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.

ولقد ظهرت بعض البدع في عصر الصحابة فوقف الصحابة سَدَّاً منيعاً وبنياناً مرصوصاً فأبطلوها ونقضوا أصولها وقواعدها بالعلم والبيان، ومن لم يتعظ وينتهِ منها قاتلوه بالسيف والسنان.

قلنا في نهاية الجزء الأول من هذه السلسلة: إن بعض البدع قد ظهرت في عصر الصحابة فوقف الصحابة لها سَدَّاً منيعاً وبنياناً مرصوصاً فأبطلوها ونقضوا أصولها وقواعدها بالعلم والبيان ومن لم يتعظ وينتهِ منها قاتلوه بالسيف والسنان.

وأول المُحْدِثينَ في الدِّين هم المرتدون عن الإسلام في عهد خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدنا وتاج رؤوسنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه.

وهؤلاء كانوا صِنْفَيْن:

الأول: أقوام أحدثوا في الدين قولا مبتدعا في مفهوم الصدقة والزكاة المفروضة فحرَّفوا قوله تعالى:((خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) سورة التوبة

فقالوا بما أن الله تعالى قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم:((خُذْ)) فهو أمر لرسوله صلى الله عليه وسلم فلما مات سقطت الزكاة عن المسلمين فلا تؤدى لأحد بعده!

وهذا الفهم يُعَدُّ أولَ إحداثٍ في تحريف النص عن مراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفيه دليل على أنه ليس كلُّ صَرْفٍ للنص عن ظاهره يُعتَدُّ به إذا كان نصاً قطعيَّ الثبوت والدلالة ومن الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة ولا يعذر أحد بالجهل بها.

انظر وتأمل يرحمك الله.

فالنص الذي يسوغ الاختلاف فيه مع وقوع التحريف لظاهره هو النص الظني في دلالته أو في ثبوته اومن الأمور العلمية والأحكام الخفية التي لا يعلمها كل الناس ويُعذرون بالجهل بها.

فتصدى لهم أعلمُ الأمة بعد رسولها صلى الله عليه وسلم ألا وهو الصديق الأكبر أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه فقال قولته الشهيرة: “والله لو منعوني عناقاً وهو الأُنثى من أَولاد المعز والغنم من حين الولادة إِلى تمامِ الحَول “

وفي لفظ: “والله لو منعوني “عقالا وهو ما تعقل به الداوب وتربط” كانوا يؤدونه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه”.

فمن العرب من اتعظ بتهديد ووعيد خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاد إلى رشده فأدى الزكاة من غير قتال.

ومنهم من أصر على تحريف النص عن مراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فامتنع عن أداء الزكاة المفروضة فكان جواب خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم أن شهر بوجوههم بسيف الله المسلول سيدنا خالد بن الوليد رضي الله عنه وارضاه فلقٌن تلك العقول المحرفة لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم درسا بليغا بعد إقامة الحجة عليهم بالعلم والبيان.

الصنف الثاني: هم الذين آمنوا بأدعياء النبوة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل إيمان بعضهم بمسيلمة الكذاب

وطليحة الأسدي وسجاح الكاهنة التي ادعت النبوة أيضا

وكفر هؤلاء معلوم من الدين بالضرورة وذلك لمخالفتهم نصَّاً قطعيَّ الثبوت والدلالة مع إجماع الصحابة عليه ألا وهو قوله تعالى:(( مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40)سورة الاحزاب

فتقرر فيها أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين فلا نبي بعده ولا رسول بعده ولا كتاب بعد كتابه القرآن المجيد.

وهنا وقف الصحابة صفاً واحداً خلف خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه واستطاعوا بوحدة صفهم واجتماع كلمتهم على اخماد هذه الفتنة والقضاء عليها قضاء مبرما

فعاد من عاد منهم إلى حظيرة الإسلام، ونال من أصر منهم على كفره وردته جزاءه العادل الذي يستحقه.

Similar Posts