حرق المصحف وشتم الصحابة .. وما بينهما

بقلم : الناقد أدهم الشبيب

ادّعى حارق نسخة المصحف الشريف ومدنّسه -وهو عراقي- أن سبب حرقه للقرآن الكريم أن هذا الكتاب هو سبب خراب وطنه وخراب العالم كذلك، وادعى شاتم الصحابة -وهو عراقي أيضا- أن هؤلاء كانوا سبب خراب وطنه ودينه وخراب الأمة.

ولو تبصرنا قليلًا لرأينا رابطًا مهمًا بين الاثنين -أقصد القرآن والصحابة-، وأن الذي يريد أحدهما يريد الآخر إن خيرًا أو شرًّا ، فالصحابة نزل القرآن بين ظهرانيهم وعلى صاحبهم الذي يأكل معهم ويشرب عليه الصلاة والسلام ، وقد امتدحهم هذا -القرآن العظيم- وجعلهم ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وهم حملوه ونشروه وكانوا هم ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ بشهادة القرآن نفسه ، فرعيل المسلمين الأول ومن قامت الدعوة على أكتافهم هم سند النبي وحملة الكتاب الذي جاء به و لولاهم -بإذن الله- لم يقم الدين ، ودليل ذلك خطاب النبي عليه الصلاة والسلام في بدر من حديث مسلم ((اللهم إن تهلك هذه العصبة فلن تعبد في الأرض أبدًا))، نعم قد ميّز الله تعالى بين درجاتهم ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ ولكنه وعدهم جميعا الحسنى ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فالله إذن هو الخبير بهم وهو الذي يحكم بينهم ويفضل بعضهم وليس نحن، فجميعهم أفضل منا بنص القرآن ونص الحديث ((خير القرون قرني)) و ((أصحابي كالنجوم )).

فإن أخطأ منهم مخطئ -وهم بشر- يخطؤون، أو اجتهد منهم مجتهد أو تنازعوا في أمر دنيوي فهذا ليس شأننا، فالله تعالى يسامحهم ويغفر لهم بالتخصيص فما شأننا نحن وكيف نجرؤ ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقد تلقت الأمة كلها بعد القرون الخيرية أفعال الصحابة الكرام وآل البيت الأطهار بالقبول والرضا والاتباع أو بالسكوت عند موضع الارتياب حرمة لهم ولقدرهم ودرءًا لأبواب الفتنة والشيطان فـ ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ فنحن لن نُسال في آخرتنا عما كانوا يصنعون.

وقد صنعوا أمورًا تاريخية كبيرة لسنا في مقام يسمح لنا بنقدها فلعلها خير، فمنهم من رأى أن ينقل دار الخلافة والحكم وأرضها بينما كانت دار النبي وحكمه من قبل فلسنا أعلم منه لنحاججه، ومنهم من قاتل مانعي الزكاة وهم قبائل كبيرة بسادتها بينما كان النبي يؤلف قلوب أفراد يدفع لهم المال لأنهم سادة فلسنا أكثر منه دينًا لنلومه، فلا نحكم على من هم أفضل منا ومن لم نعش معهم، إلا من خالف أمر الله بيّنا فذاك له منا الجفاء وعدم الاتباع لا غير، ولا قيمة لشهادة المفضول على الفاضل، فإن قلت إن هذا يصح فقط على المهاجرين والأنصار ، فما ظنك في قول الله ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾

أولئك الذين عاتب الله تعالى نبيه -على عظمة قدره وخطورة شأنه- في أن يطرد ضعيفهم أو ينتقص من قدر أي منهم فقال عز من قائل ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فمن يكون رجل تافه من عصرنا لا قيمة له -مهما علا شأنه في الدنيا- ليطردهم من المشهد الإسلامي ويطعن بهم ، أو قوم أو قبيلة أو مذهب أو حتى دولة كاملة، وما دوره ودورها وفضله وفضلها على دين الله وما الذي قدمه قياسًا لأولئك العظماء الذين بفضلهم ننعم اليوم بالإيمان وبفضلهم سدنا الأمم ، وبفضلهم سنعود.

أولئك الذين صانوا تعاليم القرآن وصنعوا منه قوانين وعلوم ومجتمع حي عاش إلى يومنا، وصار منه رجل تافه لا يساوي تراب قوائم خيولهم ليتطاول عليهم، والرابط الثاني هو بين الرجلين نفسيهما فالذي طعنَ القران غرضه طعن الصحابة والأجيال الإسلامية الأولى فهم من أوصل إلينا القرآن بأمانة، وكذلك فإن الذي شتم الصحابة وطعن بهم غرضه حرق القرآن وتعاليمه ولكنه فاته أن يقول ذلك أو يخشى التصريح وسيقوله بعد حين.

وإن الرجلين ينهلان من منبعين ملتقاهما واحد فالرجل المحسوب على المسيح -وهو منه براء- يأتمر بأوامر الغرب -عدو الإسلام ومبغضه- ويعيش بينهم ويحمونه، والثاني المحسوب على التشيع -والتشيع الصحيح من مثله براء -ولو كان أمثاله ملايين فالحق لا يُعرف بالرجال، وكل المسلمين الحق متشيعون لله ولرسوله ولآل بيته، إنما هو يأتمر بأوامر الفرس الحاقدين على صحيح الإسلام والذين انتجوا منه نسخة محرّفة “باطنية” للطعن به من الداخل وهم الذين يحمونه ويوصلون أمثاله لمراتب عليا في العراق والشام واليمن اليوم، وكلما سمح التاريخ لهم بالبروز لم يجدوا غير هذا الحديث يلغون به ويولغون فيه، ولم يصنعوا للأمة خيرًا.

يبقى القرآن العظيم منارًا ﴿يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾

ويبقى الصحابة الكرام نبراسًا لأنهم ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ … والحمد لله رب العالمين

Similar Posts