تجلي البيان في آيات القرآن .. الإيمان متبوعا بالعمل الصالح

الناقد أدهم الشبيب

إن كانت النجاة من النار –في القران العظيم- و من غضب الله وسيلته الاولى الايمان بالله وتوحيده وتنزيهه عن الشركاء ، فإن الجائزة -الجنة- هي لمن تبع إيمانه بعمل صالح و ليس بالإيمان وحده، وهذا كمال المؤمن عند الله ﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ﴾ فإنه ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴾ ثم ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾

فالعمل الصالح معيار وشرط ثابت و كي لا يتوهم أحد أن العمل الصالح وحده يكفي، وبعد أن ألفنا الآية المكررة او الجملة المكررة في الآيات والسور والتي تقرن الإيمان دائما بالعمل الصالح “الذين آمنوا وعملوا الصالحات” ، فإنه حتى إن أراد الله تعالى تبيان العمل الصالح مبتدئا به “ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو انثى” عادت الآية وأردفت واشترطت “وهو مؤمن” لتعطيه ثواب “العمل الصالح المشروط بالإيمان” وهو : “أولئك يدخلون الجنة” ،

والغريب أن العمل الصالح لم يوجَّه في القرآن على أنه “ليس لله” فقط ولن ينتفع الله به بل ايضا ليس للناس ولم يشر الله تعالى الى فائدة الناس من عملك الصالح هذا قدر نفعك لنفسك: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾

فإذا لم يذكر الله تعالى -بصيغة الأمر المتلازم- “آمن وعمل صالحا” ، سبق العمل الصالح بأنه الذي يبدر من المؤمنين وليس من غيرهم (وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) ومثلها الخطاب للرسل فإذا هم من المؤمنين في الأصل فان الحث يكون على العمل الصالح لوحده ليتم التلازم ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعْمَلُواْ صَٰلِحًا ۖ إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾

وفي المائدة وردت الإشارة إلى الأمر مكررا ثلاث مرات مترادفا في آية واحدة :﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوا وَّآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوا وَّأَحْسَنُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ وهي على التوالي “آمنوا وعملوا الصالحات، اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ، اتقوا وأحسنوا!” والتقوى هي الإيمان، والإحسان من العمل الصالح.

وعندما تكلم تعالى عن أهل الكتاب في آل عمران وكان قد وصفهم بأوصاف وضيعة وذلة ومسكنة وقتل الانبياء ثم استثنى منهم فئة قال عنها “ليسوا سواء،،،،،”إلى آخر الآية . قد تبعها بآية تمتدح هذه الفئة، لكن كيف! قال عز من قائل:

(يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ) وكما ترى صفاتهم التي جعلتهم مختلفين عن قومهم هي: “يؤمنون بالله ويعلمون الصالحات؛ من المسارعة في الخيرات، والأمر بالمعروف وهي ؛تفاصيل ومصاديق العمل الصالح ، حتى أنها ختمت باسم الصفة –الصالحين- والاسم أدوم من الفعل وقد اكتسبوه قطعا من إتيان الأعمال الصالحة.

وعندما توفر شرط الإيمان في سورة “النحل” والذي سبق العمل الصالح أساسا زمانيا رغم وروده متأخرا عنه في السياق المكاني -فقط- من الآية فقال عز و جل “وهو مؤمن”: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ يتبعه الجزاء من جنس العمل : ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فيجزيهم الله –من جنس عملهم هذا- أحسن ما كانوا يعملون .لانهم عملوا صالحا -و هم مؤمنين-.

حتى أن الله تعالى حين يمتدح من أسلم وجهه لله (المؤمن) لا يتوقف بل يقول لافتا ببلاغة الجملة المعترضة “وهو محسن” . عدنا أذن لنفس التلازم (أسلم وجهه لله –الإيمان) –(وهو محسن- العمل الصالح) , وهذا في البقرة ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

ونخلص إلى حكم عقدي هو (الإيمان مشفوع بالعمل الصالح) و إلى بيان متناهي اقتضى ذكرهما معا دائما بطرق لغوية متعددة وجمل متنوعة ليرسخ الأمران في الأذهان ولا يأتي رجل بإيمان عاطل عن العمل الصالح ، أو يتحرى رجل الأعمال الصالحة وهو فاقد لشرط الإيمان المسبق الذي يبارك الأعمال ويوجهها إلى وجه الله والخير ،﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلِأَنفُسِكُمۡۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ ٱللَّهِۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ﴾

صدق الله مولانا العظيم

Similar Posts