تأملات في سورتي الروم والزمر
الشيخ عبد المنعم البدراني
قوله تعالى في سورة: الروم :((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)).
وفيها جملة من المسائل:
الأولى: قوله تعالى :((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ)) أي أقم وِجهَتَك على الدين القيِّم و لا تتبع التوجهات الأخرى التي تخالف الدين وتنهج غير منهجه.
وفي هذه الآية دليل قاطع على أن المسلم لا يجوز أن يتخذ توجهاً غير توجه الدين والإسلام والإيمان الذي جاءت به الرسل من عند رب العالمين فلا تجتمع العلمانية مع الإسلام، ولا الليبرالية ولا الشيوعية ولا العرقية مع الدين.
فمن نهج منهجاً من هذه المناهج فإنه لم يتخذ الدينَ توجهاً له ولا شِرعةً ولا منهاجاً، فإن الجمع بين النقيضيْن محال.
ثانيا: قوله تعالى :((حَنِيفًا))
والحنيفُ هو المستقيم على صراط الحق لا ينحرف عنه يميناً ولا شمالاً، إنما هو وسط في كل الأمور بين:
الإفراطِ والتفريط
والغلوِّ والتقصير
والهدر والتضخيم
وهذا هو منهج الأنبياء والمرسلين فمن توسط بين الحق والباطل فهو باطل. ومن توسط بين الشرك والتوحيد فهو مشرك. من توسط بين الإيمان والكفر فهو كافر. ومن توسط بين السنة والبدعة فهو مبتدع.
الثالثة: قوله تعالى :((فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ)).
أي هذه الفطرة هي الأصل الذي فطر اللَّهُ تعالى الناس عليه.
والفطرة هي الإسلام والتوحيد وإخلاص العبودية للّهِ، ولكن شياطين الإنس والجن انحرفت بكثير من الناس عن هذه الفطرة فانقلبوا على أعقابهم خائبين مخذولين،
ومنه ما جاء في الحديث القدسي :((وإنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وإنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عن دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عليهم ما أَحْلَلْتُ لهمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بي ما لَمْ أُنْزِلْ به سُلْطَانًا))رواه مسلم في صحيحه.
الرابعة: قوله تعالى :((لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ)) أي إن هذا هو الأصل الذي كان على الإنس والجن أن يقيموا دينهم عليه وهي الفطرة التي خلقهم الله تعالى عليها، ألا وهي الإسلام والتوحيد، ولكنهم غيَّروا وبدَّلوا وأحدثوا وانحرفوا عن هذه الفطرة بطاعتهم لغير الله ورسله.
فقوله تعالى :((لَا تَبْدِيلَ)) هو نفي لما هو مفروض أن يكون ولا يتعارض مع وقوع التبديل من جهة الإنس والجن الذين غيَّروا وبدَّلوا فطرة الله، فهو إذن نفيٌ بمعنى النهي، أي لا تُبَدِّلوا فطرةَ اللَّهِ التي خلقكم عليها.
أنظر وتأمل يرحمك اللّه .
وهذا مثل قوله تعالى:((فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ)) فهذا هو الأصل انه لا إله حق إلا اللَّهُ .ولكن الإنس والجنَّ اتخذوا آلهة باطلة من دون اللَّهِ.
فالنفي في لا إله إلا اللَّهُ هو نفي لما يجب أن يُنفى من الآلهة الباطلة من دون اللَّهِ وإثبات الألوهية الحقة للّهِ تعالى وحده لا شريك له، ولكن الذي حدث أن المشركين من الإنس والجن اتخذوا آلهةً باطلةً من دون اللَّهِ لم يُنَزِّل اللَّهُ بها سلطانا.
أنظر وتأمل يرحمك الله.
الخامسة: قوله تعالى :((ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ)) أي من حافظ على فطرة اللَّهِ تعالى فاتخذ الإسلام والتوحيد ديناً وشِرعَةً ومنهاجاً فهو على الصراط المستقيم، ومن غَيَّرَ وبدَّلَ فقد انحرف عن الصراط المستقيم وإجتالته الشياطين فأَضَلَّتُه عن سواء السبيل.
السادسة : قوله تعالى :((وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)).
أي أن هذه الحقيقة المطلقة التي أرسل اللَّهُ تعالى بها رسله وأنزل بها كتبه، ألا وهي فطرة الناس على معرفته ومحبته وإخلاص العبودية له دون غيره من خلقه أكثر الناس لا علم لهم بها لأنهم أطاعوا شياطين الإنس والجن من دون اللَّهِ ورسله فضلُّوا عن سبيل اللَّهِ ورسله وعبثت بهم تلك الشياطين فأحلَّتْهُم دار العار في الدنيا، وأَحَلَّتْهُم دار البَوار والهلاك في الآخرة.
نسأل اللّهَ العافية في الدنيا والآخرة.
قوله تعالى في سورة الزمر:((أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56)
هذا إخبار عن كل من فرّطَ في :((جَنبِ اللَّهِ))
والجَنْبُ هو الحق والمقام والمكانة والرفعة والعزة والسيادة
فيتحسر بعضُهم على ما قصَّرَ في سيادة الله تعالى ومقامه ومنزلته السامية الرفيعة التي هي حقه جل وعلا كونه ربّاً وإلهاً وخالقا وعظيما وعليما ومحيطا
ومنه قوله تعالى في سورة الرحمن:((وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)
والمقام هنا هو الجناب الرفيع السامي للّهِ تعالى.
ومنه قوله تعالى في سورة إبراهيم:((ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14) أي مكانتي ومنزلتي وجنابي العظيم.
ومن أسمائه جل وعلا في السنة المطهرة:(السيد) الذي ساد كل شيء بعظمته وقدرته، وجاء في أحد معاني اسم(الصمد )هو السيد الذي بلغ منتهى السؤدد أي السيادة.
فاحذر أخا الإسلام أن تكون ممن تصيبه حسرة التفريط والتقصير في جناب اللَّهِ تعالى وحقه، كونه رباً وإلهاً وسيداً وعظيما.