أثر الفصل الحقيقي بين السلطات الثلاث في منع الاستبداد السياسي
بقلم: د. عمر مكي
للفصل الحقيقي بين السلطات الثلاث التشريعي والتنفيذي والقضائي أثر حميد في نشأة الدول واستقرارها ونموها واستتباب الأمن والعدل بين ربوعها ومبدأ هذا الفصل جلّاه الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو (1689-1755) في كتابه روح القوانين وغايته عدم تركيز السلطة بيد الحاكم واستغلالها استغلالًا سيئًا وزيادة طغيانه وجبروته واستبداده فالفصل بين السلطات الثلاث يمنع الاستبداد الفردي وظهور الفراعنة والقياصرة والأكاسرة ومن سار على دربهم من الطواغيت المعاصرة وفشو الظلم والجور والأثرة، فكل سلطة من هذه السلطات الثلاث تكون معوقة لجنوح الأخرى وميلها عن جادة الصواب والعدل، وهذا التقسيم الثلاثي التنظيمي لا يتعارض مع الفقه السياسي في الإسلام، فغاية إرسال الله تعالى لرسله هو التوحيد وغاية الحكم في الإسلام هو إقامة العدل والقسط بين الناس، فقد قال تعالى في كتابه المجيد: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) (الحديد: 25) فالحكومات الشمولية والاستبدادية وامتيازاتها المطلقة لا يمكن أن تظهر في فصل حقيقي بين السلطات الثلاث؛ لأن هذا الفصل يسلب قسمًا كبيرًا من الصلاحيات التي يستأثر بها الحاكم فالفصل يقيده ولا يجعل له من اليد الطولى في كثير من القضايا الجزئية والتفصيلية، والدارس بدقة في أزهى حقب الخلافة الإسلامية وفي عهد الخلفاء الراشدين تحديدًا يجد مبدأ الفصل بين السلطات حقيقة ماثلة بين العيان، فقد كان فقهاء الصحابة والتابعين مختصين وحدهم بقضايا الفقه التشريعي، (وأما القضاء فقد كان سلطة مستقلة يخضع لها الخليفة والولاة شأنهم شأن الأفراد)(1)، ومن هنا كان الفقه السياسي في الإسلام أعرق وأولى من غيره في علوم السياسة ولا سيما في قضية الفصل بين السلطات الثلاث، وقد خطب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وكان مما قال في خطبته مبينًا سياسته: (إني – والله – ما أرسل عمالي إليكـم ليضـربوا أبشـاركم،(2) ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أرسلهم إليكم ليعلِّموكم دينكم وسُنَّتكم؛ فمن فُعِل به شيء سوى ذلك فَلْيرفعه إليَّ؛ فوالذي نفسي بيده إذن لأقصنه منه. فوثب عمرو بن العاص – رضي الله عنه – فقال: يا أمير المؤمنين! أَوَ رأيت إن كان رجل من المسلمين على رعية، فأدب بعض رعيته، أئنك لمقتصه منه؟ قال: إي والذي نفس عمر بيده إذن لأقصنه منه، أنَّى(3) لي لا أقصه منه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص من نفسه)(4)، ومن هنا كان القضاء يقوم بالقصاص على السلاطين والحكام، وبوَّب الإمام النسائي –رحمه الله تعالى- في سننه بابًا بعنوان: (القصاص من السلاطين)(5) ونصَّ الفقهاء على أن الحاكم يحكمه القاضي إذا ارتكب حدًا من الحدود الشرعية وأنه يقام عليه الحد ويعاقب على ما ارتكب كما يقام على سائر الناس لعموم الأدلة الواردة في أقامتها سواء كان أميرًا أو مأمورًا(6) ومن أجل ذلك كان الفقه السياسي في الإسلام حبيس القيم وإقامة العدل وإيفاء الحقوق، وصار مبدأ أن الإسلام دين ودولة حقيقة واقعية نَعِم بظلالها المسلمون وغيرهم من الملل والنحل. وقد روى البيهقي في سننه الكبرى عن الشعبي قال: (خرج علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- إلى السوق فإذا هو بنصراني يبيع درعًا، قال: فعرف علي -رضي الله عنه- الدرع، فقال: هذه درعي بيني وبينك قاضي المسلمين، قال: وكان قاضي المسلمين شريحٌ كان –علي -رضي الله عنه- استقضاه… فقال له علي -رضي الله عنه- اقض بيني وبينه يا شريح … قال: فقال علي -رضي الله عنه- هذه درعي ذهبت مني منذ زمان، قال، فقال شريح: ما تقول يا نصراني ؟ قال: فقال النصراني: ما أكذب أمير المؤمنين الدرع هي درعي، قال: فقال شريح ما أرى أن تخرج من يده، فهل من بينة ؟ فقال علي -رضي الله عنه- : صدق شريح، قال: فقال النصراني: أما أنا أشهد أن هذه أحكام الأنبياء أمير المؤمنين يجيءُ إلى قاضيه وقاضيه يقضي عليه والله يا أمير المؤمنين درعك ابتعتك من الجيش، وقد زالت عن جملك الأورق(7) فأخذتها، فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، قال: فقال عليٌ -رضي الله عنه- أما إذا أسلمت فهي لك، وحمله على فرس عتيق(8)، قال: فقال الشعبي: لقد رأيته يقاتل المشركين.)(9). ـــــــــــــــــــــــــــــ (1) النظرية الإسلامية في الدولة للدكتور حازم عبد المتعال الصعيدي: 432. (2) أبشاركم أي جلدوكم. (3) أنّى: هنا بمعنى كيف. (4) مسند الإمام أحمد: 1/384-385. (5) السنن الكبرى: 6/346. (6) ينظر: مغني المحتاج للشربيني: 4/152. (7) الأورق من الأبل: هو الذي في لونه بياض إلى سواد، والأورق من كل شيء ما كان لونه لون الرماد ومن الناس الأسمر، ينظر: المعجم الوسيط: 2/1026. ( العتيق من الخيل: يراد به الكريم والجيد من الخيل، ينظر المخصص لابن سيده: 2/104. (9) السنن الكبرى للبيهقي: 10/136.