هــذا أوانُ التِّجـــارةِ مع اللّه
بقلم: صُــــورَية شــــوارفـــة*
تمرُّ بلادُنا على غِرارِ باقي الدُّولِ العربيَّة والعالمِ أجمَع، بأيَّامٍ عِجافٍ مسَّها الضُّرُّ واشتدَّ بها الصِّراعُ مع تزايُدِ عددِ الاصاباتِ بوباءِ الكورُونا، وتصاعُد وتيرتها إلى الحدِّ الذي جرَف بالمئاتِ والآلاف من أرواحِ النَّاس إلى الموت، لا لِشيءٍ إلّا أنَّ صلاحيٌة الحياةِ قد انتهت بنفاذِ بضعِ لتراتٍ من مادَّة الأكسجينِ التّي كانت الحلَّ الوحيدَ لإنعاشِ أجهزةِ التَّنفُّس في أكثرِ المستشفيات، على نحوِ ما يُعرَضُ علينا من صُورٍ موجِعة، رأيناها ونراها في شريطِ الأحداثِ اليوميَّة من الحينِ إلى الآخر. إزاءَ هذا الوَضعِ الصَّعبِ، ينبغي علينا أن نعيش جميعًا في ظِلِّ الشعورِ بروحِ المسؤوليَّة، تجاه كلِّ من ينشُدُ المَعُونة طلبًا لمكثّفاتِ الأكسجينِ أوغيرها من سُبلِ الاعانةِ، كونَها الضَّمانُ الأسرعُ لإنقاذ أكبرِ قدرٍ مُمكنٍ من أرواحِ النَّاس، فَضْلًا عن تخفيفِ الحملِ على ذوي المرضى والأطباءِ من جِهة، وسدِّ الحاجياتِ التي تَدعمُ المؤسَّسات أو المستشفيات الطِّبيَّة بهذه المُعِدَّاتِ الحيَويَّة من جِهةٍ أخرى، نظرًا للطَّلبِ المتزايِدِ عليها.ولعلَّها فُرصةٌ ثمينةٌ لأهلِ المعروفِ والاحسانِ مِمَّن حَباهُم اللَّه عزَّ وجلَّ بالسَّعةِ واليُسرِ، أن يُرُوا اللَّه – ولِيَّ النِّعَمِ – من أنفُسِهم وأموالهم خيرًا في هذه الأيَّام، وأن يستبِقوا الخيرَ في هذا المِضمارِ موقِنينَ بأنَّ الصَّدقة وقفٌ خيريٌّ يستريحُ في ظِلِّه المُنفِقُ قبل المُحتاج، وبه توزَنُ الحسناتُ بقَدرِ ما يريدُ المُحسِنُ أن ينالهُ من حظوظِ الأجرِ والثَّوابِ في الدُّنيا والآخِرة. قال تعالى:” وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ…” {البقرة:271}.وقال في مُقابِلِ ذلك:”وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَّفْسِهِ…{محَمَّد:39}.بل أيُّ عملٍ في ميدانِ العبوديَّةِ هذه، أعظمُ من أنْ تُغيثَ روحًا قال الّلَّه عنها:” وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا” {المائدة:34}.أو أن تُدخِلَ السُّرورَ على قلبِ مسلمٍ في دنياهُ فتُجازَى في آخرتِك، قال النَّبيُّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم:” مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسِلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّه عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الآخِرَة…واللَّه فِي عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَونِ أَخِيه”.{ رَواهُ مُسلِم: {٢٦٩٩}. ومن الجَميلِ أن نُلفِت الأنظَارَ هُنا إِلى ضَرورَة أن نتجاوبَ مع مُختلَفِ النِّداءاتِ التِّي يُطلقها أصحابُ المبادراتِ الخيريَّةِ وحملاتِ التَّبرُّعِ، بالتَّنسِيق المشتركِ مع الهيئاتِ الصِّحِيَّةِ الرَّسميَّة. والتي أدركت حظًّا وافِرًا من التَّشجيعِ والتَّأيِيد فبلغَ صداها أرجاءَ الوطن في مختلف البلدان العربيَّة والاسلاميَّة، في صورٍ رائعةٍ استشعرنا من خلالها الحِسَّ الانسانيَّ في إطارِ تكافُلٍ اجتماعيٍّ صبغتهُ العاطِفةُ بألوانٍ من الوُدِّ والتَّراحُمِ والبذلِ والعطاء…وهذه هي الخِلالُ الطَّيِّبةُ التي تستطيعُ النَّفسُ أنْ تحيا في جوِّها فتستعيد مجراها الطبيعيَّ دون الحاجةِ إلى جهازٍ الأكسِجين…ألا جزى اللَّه الجميعَ خيرَ الجزاء. وينبغي في هذا الصَّدد، أن نتجنَّب كلُّ ما بإمكانه أن يُحوِّل الطَّبائع البشريَّة إلى غير هدفِها المنشوذ، كما فعل أولئك الذين رأوا في المُتاجرَة بأرواحِ النَّاسِ واستغلالِ أموالهم مغنمًا لذيذَ الطُّعمِ لإشباعِ بطونِهم وأهوائهم الدُّنيويَّةِ السَّافِلة، فاحتكروا مُكثَّفاتِ الأكسجين، وغَالُوا في أثمانِها وأسعارها غير مبالين بموتِ فلانٍ أو وجعِ فلان.أفأمِن أولئك أن يأتيَ الدَّورُ القادِمُ عليهم، فتضيقَ أنفسُهم في صُدورِهم؟، أم أمِنُوا أن يتخطَّفهم الموتُ فتمرَّ بنا جنائزُهم؟…ألا فليتقوا اللَّه في عِبادِه، وليراقبُوا ضَمائِرهم في مِثلِ هذه التَّصرُّفاتِ الدَّنيئة.ونخلُصُ في خِتامِ هذا المقَالِ إلى القَولِ بأنَّ ما حدثَ ويحدُثُ في دُنيانا، نحسِبُه أمرًا يحتاجُ مِنَّا إلى مزِيدٍ من الوَعيِ والتَّعامُلِ الجَادِّ، ويستلزِمُ ذلك أن نحيط أنفسنا، ومن ثَمَّ أهلنا ومجتمعنا بالتَّدابيرِ الوقائيَّة التي تُوجِبُ أسبابَ السَّلامة.كما أننا نعتبرهُ موضِعًا للاعتبارِ، يَستدعي أنْ يُدركَ كلُّ عاقِلٍ منَّا أنَّ هذا الوباءَ إنَّما هو امتِحانٌ من اللَّه تعالى، قد يكونُ ابتلاءً أراده لرحمةٍ بنا، أو عِقابًا اختارهُ لذنبٍ يُوجِبُ علينَا طلبَ العفوِ والمغفرة. وفي كِلتا الحَالتينِ، نحنُ بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى تغييرٍ جذريٍّ يُعيدُ تشكيلَ الاِنسان والأمَّة معًا، في جوٍّ جديدٍ تتنفَّسُ فيه الأرواحُ البشريَّةُ كلُّها هواءً أنقَى، يهدينا به الله عزَّ وجلَّ سُبُلَ السَّلامَةِ والنَّجاةِ في الدُّنيا والآخِرة إن شاء اللَّه.
*كاتبة جزائرية