دينُ العابثين

الناقد أدهم الشبيب

يريد الذين يجدّون في الابتكارات والبدع لتغيير ديننا الحنيف بحجج التجديد والتغيير والصحوة وما إلى ذلك، أن يحرروا الدين من منهجيته وقواعده وأصوله التي يعتمد عليها في حفظ عقائده ويتبعها في استنباط أحكامه ونشر إرشاداته.

والطامة ليست في الطارئين على العلم الشرعي أو المتنطعين عليه من أرباب العلوم الأخرى أو أصحاب المهن البعيدة الذين صار التقول في علوم الدين هوايتهم التي يقضون بها فراغهم أو يغطّون بها فشلهم في اختصاصاتهم وعَطلهم عن وظائفهم التي سخّرهم الله لها ضمن مبدأ التخادم البشري، فهؤلاء لا يلتفت إلى كلامهم إلا من أشباههم وإلا على سبيل الجدل الفارغ وتسلية النفس الضّجرة، لكن الطامة أن يأتي ذلك ممن ينتسب إلى العلم الشرعي ويتسمى باسم طلابه وأساتذته، و لعل وراء بعض هؤلاء منظمات أو مؤسسات أو  ايديولوجيات تدعمهم أو تدفع لهم، ولكن البعض الآخر ليس وراء ابتداعه هذا وانحرافه عن المنهج الذي يعرفه ودرسه وسار عليه ، إلا هوى نفسه أو طمعا في الاشتهار أو رغبة في المخالفة.

ولذا فإن هؤلاء أخطر على الدين من سقط المتاع المتشبثين بالالتصاق بعلوم الشرع وهم لم يستحصلوها ولم يدرسوا في جامعاتها ومدارسها وحلقاتها وعلى شيوخها، فهؤلاء نعرّيهم أحيانا ونعطيهم بعضا من وقتنا وجهدنا الذي لا يستحقونه -و لكن كإسقاط فرض- فقط لفضّ جهلة العوام وسفهائهم عنهم، أما الهجوم الأخطر والصد الأكبر فهو ممن تشير إليه الناس أنه تخرج على يدي الشيخ الفلاني أو درس في الجامعة الفلانية فنال إجازة أو شهادة أولية أو عليا.

كما يحدث في مصر اليوم من ظهور سعد الهلالي الذي يتلبّس العلمانية أو محمد عبدالله نصر الذي يدّعي المهدوية، أو خالد الجندي الذي يعتقد السيساوية -كما يصرح-. أو في بلاد الحرمين من حاشية الحاكم المرتد خفية عن دينه هناك كعبد العزيز الريّس الذي يخصّص للحاكم نصف ساعة يوميا على التلفزيون يزني ويشرب الخمر دون جواز الانكار عليه من الناس “كما قال في فيديو مصور” ، أو السديسي القارئ الذي يدير عملية التطبيع أو عادل الكلباني الذي صار يدير صالة “شرعية” للقمار بعد بضع سنوات قضاها في إمامة المسجد النبوي الشريف ،، وأمثالهم ، أولئك الذين تخرجوا من أروقة معاهد العلم الشرعي ثم خرجوا عليها، فصار مكانهم الإعلام والوزارات، و أضحى السجن مكان أقرانهم العاملين المجتهدين الثابتين.

هؤلاء لو كان لهم في اجتهادهم أسسٌ من التي درسوها لما اعترضنا، ولو اتبعوا مناهج الأولين أو نقحوها أو ناظروها أو ردوا ما ضعف منها و أقروا ما صلح، لما لاحاهم أحد فهذا طريق العلم والتكامل والتفاضل، ولكنك تجد النفر منهم يغير المنهج ويتيح العبث والاجتهاد دون ضوابط،، فلا حجاب ملزم للمرأة “وحجته القرآن” ولا تحريم قاطع للخمر “و دليله القرآن” ثم لا موانع معاصرة للربا حيث تغير أمر الاقتصاد والمعاملات المالية اليوم “و برهانه القرآن”، وهكذا إلى أن يصلوا إلى ما يريد أن يصل إليه الفريق الأول من المتطفلين على العلم الشرعي وليسوا من أهله الذين أشرنا إليهم كشحرور وعدنان إبراهيم وعبدو ماهر وما شابه من كل قطر، فهؤلاء لا سامع لهم إلا الجهلة إذ هم لا إجازات علمية لديهم في الشرع الحنيف ولا شيوخ، وإنما متنطعون مأجورون أو متقولون، و مثلهم كل من يتكلم من رأسه دون مؤهلات تعضد علمه، إنما رغبة في ركوب الموجة. وهكذا تجد النفر المنحرف عن منهج العلماء من المتأهلين علميا يلتقون مع أولئك المتطفلين في غاية واحدة دفعهما إليها شيطان واحد، إنسي أو جني.

فالمصيبة في الذين حققوا إجازات في العلوم الشرعية وتخرجوا من جامعات وحصّلوا شهادات. الذين أصابتهم العدوى ويريدون أن يفتحوا الباب لكل مشتهٍ أن يفسر ويرفض ويقبل أو حتى ينسف ما يشاء بحجة أن له عقلا ويعرف القراءة وتحت يديه آيات القران، فعجبنا من الذي أّعدّ ليكون عالما يتبعه الناس وإذا به يتبع جاهلا أو طارئا أو متطفلا على علوم الشريعة والقرآن ويقتدي به ويقلده.

فإذا -أنكرنا الإجماع وأبعدنا السنة الصحيحة، وحاربنا المذاهب وطعنّا في المدارس وحرّمنا الاتباع- كما يريدون، وصار كل ذي عقل يتبع عقله، فكيف سنلوم التكفيريين الذين يقتلون الناس؟ الم يأتونا بتفسيرات شاذة قالها من هم مثلهم أو ابتدعوها من عندهم فقتلوا الناس بها؟ و إذا قلنا للمرأة إن آية الحجاب يمكن أن تقرأ على أنها شيء آخر أو شكل آخر، وإن إجماع علماء الأمة لا حاجة له فكلنا ذوو عقول ونفهم القران، فتسير المرأة على فهمها ويسير المراهق على فهمه ويسير المتطرف على فهمه ، أو لن يأتيك بعد ذلك من يقول إن الزنا كان له مفهوم آخر واليوم لا يجوز تحريمه لأن القران يقول شيئا أنا فهمته غير فهم الأولين “كما أحل شحرور لأتباعه الزنا في فديو مصور” ، أو أن يأتيك من يقول إن نظرية التطور الداروينية الإلحادية لها شواهد من القران كما “ادّعى عدنان إبراهيم في فيديو مصور” و إن “كبار الصحابة هم من أشار إليهم القرآن على أنهم مردوا على النفاق “كما قال عبدو ماهر في فديو مصور” ، فيسحب قدمك كما يفعل الشيطان بكلام معسول وجمل منمقة لتزلّ في هاوية الابتداع ثم التنصل من كل الدين رويدا والعياذ بالله.

أو أن يأتيك بعد ذلك من يطالبك أن تثبت له من القران أن الصلوات خمس وأنها بالكيفية التي تؤدى اليوم؟ أو أن يتمكن -والأمر منفلت هكذا ودون ضوابط ولا منهج ولا إجماع ولا قياس ولا سنة- فيقول لك بل الصلاة والصوم والحج يفعل هكذا وهكذا وأنتم قلتم لي اعمل عقلك وأنا أعملت عقلي وتوصلت لهذا.

ثم هلم جرا ودون ضوابط ولا علوم ولا مناهج ولا شيوخ ولا علماء ولا لغة عربية ولا مقارنات القران ولا أسباب نزول ولا ناسخ ومنسوخ ولا أسانيد ولا تواتر، إلى أن يصل بك إلى نسف القران نفسه الذي يحتج به اليوم غوايةّ، فماذا سنقول له عند ذلك؟ توقف أخي فما أردنا -بإنكار الإجماع والسنة وعلوم الأولين – هذا المراد ! أم إننا سنتبعه ونتبع هوانا و خطرات عقولنا السقيمة المنفردة العاجزة عن إدراك الحق إلا برحمة الله وكتابه وسنة نبيه الصحيحة وتعضيد إجماع علماء الأمة وعقول عقلائها متعاضدين، وعلومها وصحة المنهج ومؤهلات الاستنباط والتمكن من اللغة العالية والأصول و المصادر وعلوم الكلام والأسانيد والتحقيق والفلسفة والمنطق والتفسير.

و هكذا أمر كل دين بل كل نظام دنيوي أيضا، فهل رأيتم أو سمعتم بدين أو نظام مدني يترك لكل منحرف عن منهجه أو متنطع أو متطفل عليه، أو طارئ على علومه وتخصصاته وميادينه أن يغير ويبدل ويفتي وينظر في الأحكام والعقائد من ظنه وهواه وتفسيره، أم هي ضوابط ومناهج وأحكام ومصادر وأسس وعلوم استُكملت عبر أجيال بدأت بالاقتباس من نبي ذلك الدين و هدي الكتاب الذي معه.

فإذا سار كل “ذي فراغ في الوقت” على هداه، وكل “متطفل على العلم الشرعي” على هواه، وكل “من ظن في نفسه الأهلية” على رؤاه، فهذا أفتى وفسّر، وذاك نظر وقدّر، وتلك تفكرت وابتدعت، وأختها سمعتها واتبعت، لم يعد دينا للاتباع والنجاة بل دينا للعابثين.

Similar Posts