عقيدتنا في الرزق (التبكير والصدق في التجارة والهجرة)

بقلم : أ.د محمد الحاج عيسى

التبكير في السعي

من مفاتيح الرزق وأسباب البركة فيه التبكير في طلبه، سواء كان تجارة أو حرثا أو غيره، وقد روى عمارة بن حديد عن صَخْرٍ بن وداعة الغامدي قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم بارك لأمتي في بكورها» وكان إذا بعث سرية أو جيشا بعثهم من أول النهار وكان صخر تاجرا فكان يبعث تجارته أول النهار فأثرى وكثر ماله.” (أبو داود والترمذي وابن ماجة وصححه الألباني) وهذا الدعاء يشمل الكسب وطلب العلم والسفر وكل عمل يقوم به المرء، والبركة مكتسبة من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ومن كون هذا الوقت وقت نشاط النفس بعد خلودها للنوم والراحة في الليل، ولا يُظن أن من طال نومه كانت راحته أكثر لأن الشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده، وإذا جمع العبد إلى نوم الصبحة تضييع صلاة الصبح كان أشد خسارة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب على كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد. فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة فإن توضأ انحلت عقدة فإن صلى انحلت عقدة فأصبح نشيطا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلانا” (متفق عليه) وقد روي عن ابن عباس أنه رأى ابنا له نائما نومة الصبحة، فقال له: “قم، أتنام في الساعة التي تقسم فيها الأرزاق؟”.

وقال ابن القيم في الطب النبوي:”قيل: نوم النهار ثلاثة: خلق، وحرق، وحمق.

فالخلق: نومة الهاجرة، وهي خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والحرق: نومة الضحى، تشغل عن أمر الدنيا والآخرة.

والحمق: نومة العصر. قال بعض السلف: من نام بعد العصر فاختلس عقله، فلا يلومن إلا نفسه…

ونوم الصبحة يمنع الرزق؛ لأن ذلك وقت تطلب فيه الخليقة أرزاقها، وهو وقت قسمة الأرزاق، فنومه حرمان إلا لعارض أو ضرورة، وهو مضر جدا بالبدن لإرخائه البدن، وإفساده للفضلات التي ينبغي تحليلها بالرياضة، فيحدث تكسرا وعيا وضعفا. وإن كان قبل التبرز والحركة والرياضة وإشغال المعدة بشيء فذلك الداء العضال المولد لأنواع من الأدواء”.

الصدق في التجارة

من مفاتيح الرزق وأسباب البركة الصدق في التجارة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» (رواه البخاري). ومعنى البيان أن يبين كل واحد لصاحبه ما يحتاج إلى بيانه من عيب ونحوه في السلعة والثمن، وصدق في ذلك وفي الإخبار بالثمن وما يتعلق بالعوضين، فتحصل البركة في الثمن بالنماء، وفي المثمون بدوام الانتفاع به. فإن لم يفعلا ذهبت البركة ورفعت، وإن صدق أحدهما وبين دون الآخر نال هو البركة دونه الكاذب الكاتم.

الهجرة من بلاد الكفر والفسق

من أسباب الرزق والبركة فيه الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإيمان، ومن بلاد الفسق إلى بلاد الطاعة، ودليل هذا في محكم التنزيل حيث قال تعالى: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً) (النساء:100) فوعد الله المهاجر في سبيل الله بالمراغم أي ما يتحصن به من أعدائه، والسعة هي الرزق قاله غير واحد من المفسرين، وليس الأمر معكوسا كما يظنه كثير من أبناء الإسلام اليوم.

Similar Posts