بَذلُ الهِمّة في التعريفِ لمعنى اللَّمة
الشيخ عبد المنعم البدراني
ثبتَ عن سيدنا عبد اللَّهِ بن مسعود رضي اللَّهُ عنه وأرضاه أنه قال:”- إن للشَّيطانِ للمَّةً بابنِ آدمَ ، ولِلمَلك لَمَّةٌ ، فأمَّا لمَّةُ الشَّيطانِ فإيعادٌ بالشَّرِّ وتَكْذيبٌ بالحقِّ ، وأمَّا لمَّةُ الملَكِ فإيعادٌ بالخيرِ وتصديقٌ بالحقِّ . فمَن وجدَ ذلِكَ فليعلم أنَّهُ منَ اللَّهِ، فليحمَدِ اللَّهَ، ومن وجدَ الأخرى فليتعوَّذ منَ الشَّيطانِ ثمَّ قرأَ: ((الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا)) الآية 268 من سورة البقرة. رواه الترمذي والنسائي وغيرهما وسنده صحيح إلى ابن مسعود موقوفا
واللّمَّةُ هنا بمعنى الخَطْرةُ أو المَسُّ الخفيف أو الدُنوُّ والاقتراب، ويُرادُ بهذه المعاني كلها للَّمَّة هو أنها قذْفَةُ من الشيطان القرين، أو المَلَك القرين، فإن اللَّهَ تعالى قد وكَّلَ بكل إنسان قريناً من الجن، وقريناً من الملائكة كما في قوله صلى اللَّهُ عليه وسلم :(ما مِنكُم مِن أحَدٍ، إلَّا وقدْ وُكِّلَ به قَرِينُهُ مِنَ الجِنِّ) غَيْرَ أنَّ في حَديثِ سُفْيانَ :(وقدْ وُكِّلَ به قَرِينُهُ مِنَ الجِنِّ وقَرِينُهُ مِنَ المَلائِكَةِ). رواه الإمام مسلم في صحيحه.
فالقرين الجني شيطان لا يأمر إلا بالشر، والقرين المَلَكي لا يأمر إلا بالخير، فلَمَّةُ الشيطان ولَمَّةُ المَلَك تتصارعان في قلب الإنسان ورُوعه، فأَيُّهُما غلبتْ الأخرى صار الإنسانُ أسيراً لها وتابعا.
وهذا ابتلاء عجيب من اللَّهِ تعالى للإنسان أن جعله وَسَطاً بين فريقيْن من خلقه، أحدهما يدعوه إلى الخير، والآخر يدعوه إلى الشر، وكلاهما مخفيّان عنه غير مرئيين، ولَيسَ له منهما إلا لَمَّتان تتنازعان في قلبه، فتارةً تغلِب لمَّةُ المَلَك على لَمَّةِ الشيطان فيكون الإنسان ملائكيَّ الطبع، وتارةً تغلب لمَّةُ الشيطان لَمَّة المَلَك فيكون الإنسان شيطانيَّ الطبع.
وبطبيعة الحال فإن الإنسان لا يمكن أن يكون مَلائكيَّ الطباع على الدوام. لكنه قد يكون شيطاني الطباع على الدوام، لأن من الإنس من هم شياطين، ومنه قوله تعالى في سورة الانعام : (( وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112).
فسمى الله تعالى بعض الإنس بالشياطين.
أما أن يكون الإنسان مَلَكياً أحياناً فذلك ممكن وواقع طالما تغلب لَمَّةُ الملَكِ لَمَّةَ الشيطان، وهذا من فضل اللَّهِ تعالى على بعض خلقه أن يهديهم لسماع وازع الخير والهدى والاستقامة التي يقذف بها المَلَكُ في قلب الإنسان.
أما من غلبت لمَّةُ الشيطان في قلبه على لَمَّةِ الملَكِ فذلك الذي اتبع هواه فأضلَّهُ اللَّهُ تعالى على علم، عدلاً منه وحكمةً، ولا يظلم ربك أحدا.
فائدة
قوله صلى اللَّهُ عليه وسلم :(ما مِنكُم مِن أحَدٍ، إلّا وقدْ وُكِّلَ به قَرِينُهُ مِنَ الجِنِّ قالوا: وإيّاكَ؟ يا رَسولَ اللَّه، قالَ: وإيّايَ، إلّا أنَّ اللَّهَ أعانَنِي عليه فأسْلَمَ، فلا يَأْمُرُنِي إلّا بخَيْرٍ.) رواه الإمام مسلم في صحيحه
وكلمةُ:(فأسْلَمَ)
فيها روايتانِ ذَكَرَهُما الحافظ النووي رحمه اللَّهُ تعالى في شرحِه لصحيحِ مسلم وغيره وهما:
الأولى :(فأسلمَ) بفتح الميم أي: أسلمَ قرينُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أي: صار مسلماً.
الثانية:(فأسلمُ) بضم الميم، أي: فأسلمُ من شرِّهِ وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم:( فلا يَأْمُرُنِي إلّا بخَيْرٍ)
والحقُّ أنَّ اللفظ يحتمل الوجهين فإنه ليس صريحا بإسلامه.
وعلى كلِّ حالٍ فإنَّ ما نستخلصُه من الحديث أنَّ للنبي صلى الله عليه وسلم قريناً من الجن وأنَّ من خصائصِ النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ قرينَه لا يأمرُهُ إلا بخيرٍ سواءٌ أَأسلمَ القرينُ أم لم يُسْلِم.