فتحُ المنّان في تبيان بعضِ صفات الرحمن

الشيخ عبد المنعم البدراني

روى الشيخان من حديث أم المؤمنين عائشة رضي اللَّهُ عنها وأرضاها أنها قالت: إنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ بَعَثَ رَجُلًا علَى سَرِيَّةٍ، وَكانَ يَقْرَأُ لأَصْحَابِهِ في صَلَاتِهِمْ، فَيَخْتِمُ بقُلْ هو اللَّهُ أَحَدٌ، فَلَمَّا رَجَعُوا ذُكِرَ ذلكَ لِرَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ: (سَلُوهُ لأَيِّ شيءٍ يَصْنَعُ ذلكَ؟ فَسَأَلُوهُ، فَقالَ: لأنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، فأنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بهَا، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: (أَخْبِرُوهُ أنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ).

وفي هذا الحديث جملة من المسائل:

الأولى: وهي تبيان فضل هذه السورة المباركة ألا وهي سورة الإخلاص وأنها تعدل ثلث القرآن ومنه قوله صلى اللهّ عليه وسلم :(والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن) رواه البخاري

فمن قرأها ثلاث مرات فقد حصل على أجر قراءة القرآن كله.

الثانية: إن هذه السورة قد تضمنت اسم اللَّهِ الأعظم ومنه حديث بريدة أن رسول اللَّهِ صلى اللّهُ عليه وسلم سمع رجلاً يقول: اللهم إني أسالك بأني أشهد أنك أنت اللّهُ لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. فقال: لقد سالتَ اللَّهَ تعالى بالاسم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب ) وفي رواية : لقد سالت الله تعالى باسمه الأعظم) رواه أهل السنن إلا النسائي.

الثالثة: وفي الحديث إثباتٌ لتوحيد الأسماء والصفات للّهِ تعالى وذلك لقول الرجل: “لأنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ”

وقد أقرَّه النبي صلى الله عليه وسلم في إثبات الصفة للّهِ تعالى في قوله صلى اللَّهُ عليه وسلم :(أَخْبِرُوهُ أنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ).

وذلك لأن محبة أسماء الله تعالى وصفاته من الإيمان والتوحيد له سبحانه

الرابعة: فيما تضمنته هذه السورة المباركة من أسماء وصفات عظيمة لله تعالى وهي

1_اسم اللَّهِ تعالى:

 وهو لفظ الجلالة والجمال والكمال للّهِ تعالى ولم يشاركه فيه أحد من خلقه.

والمشركون الذي أشركوا به غيره تعالى لم يتجرؤوا على أن يسمّوا آلهتهم بلفظ الجلالة.

2_اسم الأحد:

 وهو يعني الوحيد الذي لا ثاني له في ربوبيته ولا في إلهيته ولا في أسماءه وصفاته.

3_الصمد:

وهو الذي يُصمَدُ له في الحوائج أي يُلجَاُ إليه ويستغاث به ويُطلب العون والمدد منه وحده سبحانه ويُدعى في السرّاءِ والضرّاءِ ويُلاذُ به في النوائب والكروب والشدائد.

4_لم يَلد ولم يولد:

وهو نفي الولد والصاحبة عنه سبحانه ونفي الوالد عنه سبحانه فهو الخالق الأزلي الأبدي الأول قبل الوجود والآخر بعد الخلود.

5_ولم يكن له كُفُوَاَ أحد:

 وهو نفي للكفؤ له سبحانه وهو الشبيه والمثيل والمساوي له في قدرته وربوبيته وأسمائه وصفاته.

ليس كمثله شيء سبحانه وتعالى عما يصفه به المبطلون.

مَلْحَظ مُلْحَقٌ بالمنشور الذي قبله:

وقد سألني أحد الإخوة عن أمرٍ متعلق بفقه الحديث الذي رواه الشيخان من حديث أم المؤمنين عائشة رضي اللَّهُ عنها وأرضاها أنها قالت: إنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ بَعَثَ رَجُلًا علَى سَرِيَّةٍ، وَكانَ يَقْرَأُ لأَصْحَابِهِ في صَلَاتِهِمْ، فَيَخْتِمُ بقُلْ هو اللَّهُ أَحَدٌ، فَلَمَّا رَجَعُوا ذُكِرَ ذلكَ لِرَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ: (سَلُوهُ لأَيِّ شيءٍ يَصْنَعُ ذلكَ؟ فَسَأَلُوهُ، فَقالَ: لأنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، فأنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بهَا، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: (أَخْبِرُوهُ أنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ).

السؤال الذي سأله أحد الإخوة متعلق بفعل الإمام، ولماذا لم يُبَدِّعْهُ الصحابة؟

فقلت وباللّهِ التوفيق: وهذا من حِلمِ الصحابة رضي اللَّهُ عنهم أجمعين، فإنهم لم يستعجلوا بإطلاق حكم التبديع عليه مع أنهم لم يَروا رسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد فعله.

فما كان عليهم إلا أن صبروا حتى أتوا رسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسألوه عن حكم ما فعله إمامُهم، وهذا من وَرَعِهم في عدم استعجال إطلاق حكم التبديع على المسلم حتى يُتَثَبَّتَ من موافقة فعله للسنة أم لا.

وفيه أيضاً، إحسان ظن الصحابة بعضهم ببعض أن ما يصدر من أحدهم ولا يُعلَمَ أهو موافق للسنة أم لا أن يُحمل فعله أو قوله محملاً حسناً حتى يثبُتَ خلافُه.

وفيه أيضاً، أدب الصحابة مع أئمتهم وأُمرائهم إذا رأوا منهم ما لا يعلمون موافقته للسنة ام لا، فصبروا عليه حتى تثبتوا من رسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وفيه أيضاً، أن من جهل حكمَ فعلٍ أو قولٍ صدر من مسلم أن يسأل عنه العلماء والفقهاء فهم أعلم بذلك الفعل أو القول.

وفيه أيضاً، سماحة النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وكرمه وجوده في إقرار ذلك الفعل لما تضمنه من فضائل وشمائل يحبها اللَّهُ ورسوله صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

ولهذا: فلا يجوز للمسلم أن يستعجل بإطلاق حكم التبديع أو التفسيق فضلاً عن التكفير للمسلم حتى يتثبتَ من فعله أهو موافق للسنة أم لا، وذلك بسؤال أهل الشأن والاختصاص، فإن استعجل في التبديع أو التفسيق أو التكفير من غير بينة وعلم، فقد ظلم نفسه وظلم غيره من المسلمين، فعليه التوبة وطلب الحِلَّ من المظلوم

Similar Posts