جائحة التقوّل في الدين .. اللقاح والعلاج

بقلم : الناقد أدهم الشبيب

يبدو أن التحدث والابتداع في الفقه والقرآن والهجوم على العلماء والعلم الشرعي أصبح (جائحة) لم ترصدها منظمة الصحة العالمية بعد! وقد استبشرنا خيرا بانحسار جائحة كورونا وتخفيف الله عن عباده الأسوياء جدري القرود.

 الجائحة الآن في موجتها الثالثة ولعلها الأخيرة، وموطنها الأصلي “المصدر” الدول الغربية ومتآمروها، ويزيد انتشارها-حسب الإحصاءات غير الرسمية والرصد الشعبي- في الدول العربية بدءا من مصر التي تتربع على عرش الحواضن ثم بلدان المغرب العربي مرورا بجزيرة العرب واليمن السعيد وصولا إلى الشام والعراق، وقد نجى الله السودان وموريتانيا من ذلك كونهما كما صنفتا-نسبيا- بيئات طاردة، ونرجو الله أن تدعمنا بلاد المسلمين من غير العرب كماليزيا وتركيا وإندونيسيا وباكستان للشفاء من ذلك عن قريب. أنه سميع مجيب.

فالجائحة بدأت تصيب الجميع تقريبا إلا من رحم ربي ومن كانت مناعته قوية أو الذي يعزل نفسه حيث أن المصابين لا حجر عليهم بعد. وحاملو “فايروس التنطع والابتداع” هذا مازالوا مؤثرين خصوصا في الفئات العمرية الصغيرة والنساء وبعض ضعاف التحصين يساعدهم في ذلك مفهوم حرية التعبير المكفولة ولا ضير في ذلك، وينعمون بمنابر مجانية ولا حسد، وإلى أن يرفع الله هذا الأمر-قبل أن يتحول إلى وباء-بمنه وكرمه كما رفع غيره،، علينا بالعمل والتصدي والتحصن لنا ولأبنائنا ولأهلينا، والاحتماء بكتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وما بين يدينا من تفسيرات السلف الصالح وعلماء الأمة الأولين ومن سار على نهجهم واجتهد في علومهم ونظر في آثارهم وجدد دون ابتداع وتوسع دون ارتقاع، ثم وعلينا اللجوء إلى سنة نبيه الصحيحة، فالذي أوصل إلينا القرآن بأمر الله، أوصل إلينا سنة نبيه العملية والقولية والتقريرية التي لابد منها بإذن الله ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ والتي قال عنها الله تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ وأنه لا قيمة للموضوع والضعيف من أحاديث يتوكأ عليها المصابون والتي توجب-كما يدعون- عرض الحديث على كتاب الله ويخدعون الناس بحسن هذه الكلمة وظاهر صلاحها “فإن أحاديث العرض على كتاب الله ، كلها ضعيفة لا يصح التمسك بشيء منها كما ذكر أهل العلم ، فمنها ما هو منقطع، ومنها ما بعض رواته غير ثقة أو مجهول، ومنها ما جمع بين الأمرين، وقد بَيَّن ذلك ابن حزم، و البيهقي، والسيوطي، وقال الشافعي في الرسالة : “ما روَى هذا أحدٌ يثبت حديثه في شيء صغير ولا كبير، وإنما هي روايات منقطعة عن رجل مجهول ونحن لا نقبل هذه الروايات في شيء” ، بل نقل ابن عبد البر في جامعه عن عبد الرحمن بن مهدي قوله : “الزنادقة والخوارج وضعوا هذه الأحاديث” ، ثم قال : “وهذه الألفاظ لا تصح عنه – صلى الله عليه وسلم – عند أهل العلم بصحيح النقل من سقيمه”.

“وقد ألهم الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام أنَّ قومًا سيأتون يدعون الاقتصار على القرآن ويرفضون الأخذ بما ثبت عن النبي ولذلك قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:”يوشِكُ أنْ يقعُدَ الرجلُ مُتَّكِئًا على أَرِيكَتِهِ، يُحَدَّثُ بحديثٍ مِنْ حديثي، فيقولُ: بينَنَا وبينَكُمْ كتابُ اللهِ، فما وجدْنا فيه مِنْ حلالٍ اسْتَحْلَلْناهُ، وما وجدَنا فيه مِنْ حرامٍ حرَّمْناهُ، ألَا وإِنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللهِ مثلَ ما حرَّمَ اللهُ”* وبلفظ آخر

“أَلَا إِنِّي أُوتِيت الكتاب ومثله معه، ألا يُوشك رجل شبْعان مُتكئ على أَرِيكته يقول: عليكم بالقرآن فما وجدتم فيه من حلالٍ فَأَحِلُّوه وما وجدتم فيه من حرامٍ فَحَرِّمُوه، ألا، لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يُقروه فإن لم يُقروه فعليه أن يعقبهم بمثل قِراه” رواه أبو داود، فقد وضَّح الرسول في الحديث أن تحريم الأشياء المذكورة لم يرد في القرآن، وهو تشريع واجب أن يُعْتَمد عليه، ومنها القِرى وهي الضيافة.”

أما قولهم عن النبي “إذا جَاءَكُمْ عني حديث فاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ الله، فما وافقه فخذوه وما خالفه فاتركوه” فهو مختلق وقد بيَّن أئمة الحديث أن هذا الحديث موضوعٌ ومُخْتَلَق على النبي صلى الله عليه وسلم.

بل إن هذا الحديث نفسه يعود على نفسه بالتناقض والبطلان، فلو عرضناه على كتاب الله لوجدناه مخالفاً له، فلا يوجد في كتاب الله أن أحاديث رسول الله لا يقبل منها إلا ما وافق الكتاب “اي كما يدعون أن يكون له مناظر في كتاب الله”، بل إننا نجد في القرآن إطلاق طاعته والاقتداء والتأسّي به صلى الله عليه وسلم، والأمر بالتسليم لما يقول، والتحذير من مخالفة أمره على كل حال، فرجع الحديث على نفسه بالتفنيد. ومما يدل على بطلانه كذلك معارضته الصريحة لقوله – صلى الله عليه وسلم- الفائت.

 كما وأن القرآن نفسه يُكَذِّب هذا الحديث، فلو عرضناه على القرآن لوجدنا فيه ما يعارضه ويُكذِّبه في عشرات المواضع أنتقي منها قوله تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّـهَ وَالرَّ‌سُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِ‌ينَ}[آل عمران:32]. وقوله عز و جل:{وَأَرْ‌سَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَ‌سُولًا ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّـهِ شَهِيدًا. مَّن يُطِعِ الرَّ‌سُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّـهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْ‌سَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا}[النساء:80] و {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّـهِ وَلِلرَّ‌سُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْ‌ءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُ‌ونَ﴾[الأنفال:24] ، و {لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّ‌سُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّـهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ‌ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِ‌هِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، [النور:63].و {أَلَمْ تَرَ‌ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِ‌يدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُ‌وا أَن يَكْفُرُ‌وا بِهِ وَيُرِ‌يدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّـهُ وَإِلَى الرَّ‌سُولِ رَ‌أَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا} [النساء:60-61]. وكل هذا دون التقييد بالعرض،

فكل ما نطق به الرسول “تشريعا” هو من الوحي: وهذه آيات سورة النجم “الأربع” تبين ذلك دون اشتباه:

{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ. مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ. وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ}

و من أعراض الإصابة بهذا الفايروس إنكار ما أجمعت عليه الأمة واستنبطت حكمه من القرآن والسنة، فبعد ظهور ارتفاع درجات الحرارة يبدأ الرجل بالتنطع في قضية الناسخ والمنسوخ وينكرها غير آبه بسعة هذا العلم ودون أن يطلع على أصوله واسسه ،معتمدا فقط على عقله ومنطقه الذي يوسوس له أن الله سبحانه حكيم وعليم وليس بحاجة أن “يعدل أو يغير” كما يظن، دون أن يحفظ شيئا من القرآن في ذلك بل لعله لم يقرأه كله ويتدبره : ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍۢ ۙ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ بل لعله يقرأ ولكن الفايروس القوي يمنعه من الإدراك : ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .

أو ينطلقون إلى الخوض في الميراث والاعتراض عليه دون علم، والابتداع في العبادات، وتغيير حكم الله في المرأة تزلفا للمدنية الممسوخة غير آبهين بوضوح آيات القرآن واحكام السنة في ذلك ، وغير ذلك كثير، فترى الرجل -والقوة لله والهداية منه- يمسي شاعرا فيصبح فقيها يفتي فيما لا يعلم ، ويصبح طبيبا فيمسي مفسرا يخوض في تأويل آيات الله دون استحصال العلوم المجيزة لذلك، ويجلس صحفيا فيقوم إماما في العلوم القرآنية والأحكام. وهكذا فإن هذا الداء ينتشر والعياذ بالله دون قدرة للبعض على رصده وتجنيب أنفسهم الإصابة القاتلة، فما علينا إذا رأينا أحبابنا مصابين إلا أن نسارع بعلاجهم بآيات القران وصحيح السنة وعلم الأولين الراسخين، فإن أعيانا الدواء فليس لنا إلا الهرب والدعاء لهم بالشفاء، كما فعلنا -مضطرين- مع مصابي كورونا قبل عام.

ومن حسن حظنا أننا لسنا بحاجة لانتظار إنتاج لقاح بل هو موجود في علم الأولين وصالح المجددين وسليمي العقيدة من المعاصرين، وما علينا إلا توزيعه بأسرع وقت على الأصحاء من المسلمين، أما علاج المصابين المبتلين فإن ربك قادر ونعمل جميعا على إعطائه متبرعين فنعمل مجدين إن ثبتنا الله ونجانا، وحتى تنجلي هذه الجائحة ادعوا لأنفسكم ولنا ولمحبيكم بالثبات، اللهم ثبتنا يا رب العالمين.

                                  —————————

*الراوي: المقدام بن معدي كرب | المصدر: صحيح الجامع | الصفحة أو الرقم: 8186 | خلاصة حكم الحديث: صحيح | التخريج: أخرجه ابن ماجه (12)، وأحمد (17194) باختلاف يسير

Similar Posts