مثقفو گوگل .. كيف بدأوا التطاول على الإسلام

بقلم الناقد: أدهم الشبيب

في مواقع النت ورجال الحملة المدفوعة الثمن التي استغلت منصات التواصل النافذة إلى كل عين و أذن، وقنوات الإعلام الممول من منظمات أو دول تخطط لمصالحها المستقبلية دون كلل، والحكومات المتسلطة على شعوب المسلمين دون ارادتهم والمتماهية مع ما يريده الغرب حفاظا على ديمومة السلطة المغرية ، كل هؤلاء اجتمعوا دون اتفاق ومولوا أو سهلوا لرجال قلة نادرة من مثقفين أصلاء لكن ماديين يلهثون وراء دنيا فانية فأغروهم بالمال والجاه والملذات، مع سيل من مثقفي النسخ واللصق في محرك البحث الشهير -وهؤلاء هم الكثرة الكاثرة في زماننا- بل والكثرة المؤثرة ممن طرحوا جرأة اتبعها الجاهلون والمطبلون من حمقى الرجال، وسبقتهم إلى ذلك النساء الباحثات عن الحرية -ويقصدن بها التحرر للانغماس في ما تنشده عادة المرأة غير الملتزمة بدين وغير المحكومة من ولي- من توافه المظاهر وتعرية الجسد والتلذذ بدور المطلوبة من المتغزلين والمعجبين والخاطبين ،وهذا جل ما يصل إليه عقل المرأة المتحررة وقلبها.

فتكون جيل كامل تكاثر بسرعة الدود يعتاش على ما توفره له نقرة زر من هاتف محمول ليأتي به منسوخا فيلصقه على جدار صفحته او يعلق به على صفحة غيره ممن يحب أو لا يحب، أو يبتلع ما فيه من مضمون مشبوه أو مجزوء أو مشوه فيتقيؤه علينا دون هضمه أو فهمه،

وحيث لا تنفع مناطحة الأدباء بأدب گوگل الجاهز وإنما سيماحكه أهل المواهب فينفضح، ولا تصح مقارعة الفلاسفة من فلسفة گوگل المخزنة إذ سيناظره أهل الملكات الفلسفية العميقة فينكشف، ولا يمكن مجاراة أهل العلوم البحتة من علوم گوگل المنضدة إذ سيحاججه أهل التجربة العلمية الأصيلة فينكفئ، وليس للموهبة الفنية من موسيقى أو رسم أو نحت أو تشكيل، من منفذ للانتحال والسرقة والتضليل.

 فلم يعد أمامهم إلا التقول على الدين، فهي وسيلة المتوصلين ومركب المتعثرين وملاذ العطلة الجاهلين، فانطلق كل من يعلم ومن لا يعلم ليغترف من بحر گوگل الميت الجامد ويقذفه علينا، هذا طبيب جاهل ينظر، وذاك مهندس فاشل يفسر، والآخر حقوقي عاطل يسطر، فجمعوا حولهم جهلة الأتباع ومغفلي الاستماع وصدق بعضهم الآخر ، ونسي المتبعون والمتابعون أن “من لا شيخ له فإن شيخه الشيطان” ونسوا أن العلم لا يؤتى إلا بالدرس والفكر والتمرس وسنين طويلة من المران، وحفظ القران واعتلاء ما تمكن من لغة وبلاغة وبيان، ومن باع طويل في الشرائع ومقارنة المذاهب والمشارب والأديان.

يقول الإمام الغزالي رحمه الله في من لا يجوز له مناظرة العلماء:

“ثم ابتدأت، بعد الفراغ من علم الكلام، بعلم الفلسفة، وعلمت يقينا أنه لا يقف على فساد نوع من العلوم. من لا يقف على منتهى ذلك العلم حتى يساوي أعلمهم في أصل ذلك العلم. ثم يزيد عليه ويجاوز درجته. فيطلع على ما يطلع عليه صاحب العلم من غوره وغائله. وإذ ذلك يمكن أن ما يدعيه من فساده حقا “•

هذا كلام الإمام الغزالي وهو من هو، أما هؤلاء المبتدئون المنتحلون، فراحوا يتطاولون على من قضى في سبل العلم سنين طويلة، وتوسل إلى طلبه كل وسيلة، وأسقط من أيدي الدهر كل حيلة. ظنوا أن العلم ينسخ ويلصق ثم يطوى وينسى، و فاتهم ان العلم ماوقر في الصدور قبل ان ينقش في السطور، فاغراهم گوگل يتشدقون ويتكلمون بعد أن كانوا لا يحسنون ما يلفظون ولا يفهمون ما يقراون ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَآءً وَنِدَآءً ۚ صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾

فجرأوا من هم أجهل منهم ممن لم يتحصل علمًا أو إجازة أو شهادة في أي باب، وممن اختلط عليهم التبر بالتراب، فلا يميز بين خطأ أو صواب، وأوحوا لهم أن هذه هي الثقافة، وتلك هي النباهة والحصافة. فصار من علائم الثثقف أن تعارض الفقهاء، وبرواز التحضر أن تشتم العلماء، ومن أصول التمدن ان تهاجم الفلاسفة والحكماء.

وصار من أمارات الباحث الحثيث، أن يتهجم على اهل الحديث، ثم لك أن تتخذ موقفا مثله متذرعًا بدفاعك عن القران، ثم تتجاوز على القران متذرعا بعدم الحاجة للتفسير، ثم التهجم على النبي بحجة انه ليس إلا بشر كلف برسالة لا تشريع له بإذن ربه ولا تفصيل ولا تفريع، ثم بعدها على السلف الموكل بنقل هذا الدين بحجة إن هم إلا رجال عاديون، وصلت علومنا اليوم الى مالم يكونوا يحلمون، إلى ان تخليت عن مقدساتك ودينك وثم قيمك فأصبحت جاهلا بثوب طالب للعلم، ملحدا بثوب باحث عن الاسلام.

وهكذا وبمعونة گوگل و باسم الثقافة ترسخ لدينا، وبدعم الحاكم التافه فرض علينا، أصحاب الآراء والأهواء، فبدأوا بإسقاط هيبة العلماء الأحياء، ثم انسلوا إلى كتب وخطب وسير الأموات من الصالحين الأتقياء.

فلما تحقق للمتربصين بالإسلام ذلك، وفتحوا للقبول والتراخي الطرق والمسالك، طبعوا مع عملائهم علينا ووقعوا مع خائني الأمة لدينا، وكل هذا بموافقة وتطبيل مثقفي گوگل ومبدعي النسخ واللصق ومنظري البوستات، فصار الرجل منهم تقول له العالم الفلاني قال كذا ،،  فيقول لك ومن هذا؟ وكذا منه وكيت؟ وما قيمة علمه قياسا لما توصلت إليه أنا وارتقيت. وصار يجد من يسمعه ولا يردعه، بل ترى اغلب اهل زماننا معه، والآن سيقول لك أهل الأهواء (نعم فنحن في عصر جديد ولنا عقول تفهم وتجيد ووو ) من الكلام الذي يلقى رواجا اليوم بين المستغفلين، الذين يظنون أنه لا حاجة للعلم والسنة والروايات والآيات إن كنت تتحدث في الدين.

 واختبئوا وراء هذه الحجة الواهية الضعيفة، لعجزهم عن اللحاق بما تمكنت منه أجيال السلف والاتباع المسلمة الصحيحة الحنيفة. وهذا أمر ليس جديدا في الأمة إلا أنه كان محدودا بالقلة ومحفوفا بالرأي والفكر ويغترف من معين أصيل، وليس من محرك بحث قاصر عليل، ومع هذا فقد عرفهم الناس من قبل وعرفوهم، وحددوهم ووصفوهم، وكان ممن وصفهم فأحسن، وعرف علتهم وسبب مذهبهم وبين سيدنا عمر بن الخطاب رضوان الله عليه إذ قال شارحا بلاهم:

“إنَّ أصحابَ الرَّأي أعداء السنن، أعيتهم أن يحفظوها، وتفلتت منهم أن يعوها، واستحيوا حين سُئلوا أن يقولوا لا نعلم، فعارضوا السنن برأيهم، فضلوا وأضلوا، فإياكم وإياهم.”•

وينسب له أنه قال: “سيأتي أناس يجادلونكم بشبهات القرآن، خذوهم بالسنن؛ فان أصحاب السنن أعلم بكتاب الله”•••

وبعد فـ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ﴾

                                                                     —————-

•حجة الإسلام الغزالي -كتاب المنقذ من الضلال والموصل إلى ذي العزة والجلال.

••ذكره اللالكائي في شرح “أصول اعتقاد أهل السنة” والهروي في “ذم الكلام” وذكره السيوطي في “مفتاح الجنة بالاحتجاج بالسنة” وعزاه أيضا للبيهقي ابن حجر في “فتح الباري”.

وورد في الجامع لابن وهب (١٤٦٧) ••• إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن قيم الجوزية رحمه الله

Similar Posts