نزهة اللهفان في لطائف القرآن

الشيخ عبد المنعم البدراني

قوله تعالى في سورة البقرة:(( يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276))

وفيها جملة من المسائل:

الأولى: في معنى المحق وهو الإبطال وإذهاب خير المال ونزع بركته فالمرابي يحاول إكثار ماله بالربا واللّهُ يذهبه ويذهب بركته.

الثانية: في معنى قوله تعالى:((وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ)) والإرباء هو التنمية و المضاعفة لها ولأجرها وثوابها عند اللَّهِ تعالى

الثالثة: المحق يقابل الإرباء ويسمى في علم البلاغة الطِباق وهو التقابل بين وصفين متنافيين كالليل والنهار والحرِّ والبرد.

الرابعة: قوله تعالى :((وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276))

وذكر الكفر والإثم بعد الربا يدل على أمرين:

الأول: إن الربا قد يكون كفراً أصغر وهو بمعنى الكبيرة لمن فعله حبا في المال مع اعتقاده بحرمته.

الثاني: قد يكون الربا كفراً أكبر إذا فعله المرابي وهو مستحل لحرمته.

انظر في قوله تعالى في سورة الانبياء :((مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2)

وقال جل وعلا في سورة الشعراء :((وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5)

في معنى الذكر المُحْدَث قولان لأهل العلم:

الأول : الذكر المُحْدَث هو القرآن وسُمي مُحْدَثاً لأنه حديث عهد بالناس لم يألفوا مثله قبله.

الثاني: إن الذكر المُحْدَث هو النبي مُحَمَّدٌ صلى اللَّهُ عليه وسلم، قاله الإمام أحمد رحمه اللَّهُ تعالى في كتابه الرد على الجهمية والزنادقة، وذلك لأن الجهميةَ استدلوا بهذه الآية على أن القرآن مخلوق، باعتبار أن الإحداث خلق وإيجاد.

فقال الإمام أحمد:” إن اللفظ إذا كان مشتركا بين شيئين فهو أليَقُ بأحدهما بالقرائن وبما أن الإحداث خلق وإيجاد فإن النبي مُحمَّداً صلى اللَّهُ عليه وسلم أولى به، كونه مخلوقا. انتهى قول الإمام أحمد بتصرف.

قلت: ويؤيد ما ذهب إليه الإمام أحمد هو أن اللَّهَ تعالى قد سمّى رسوله محمدا (ذكراً) كما في قوله تعالى في سورة الطلاق: ((فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (10)رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ))

فقوله تعالى:((ذِكْرًا)) منصوب على المفعولية

وقوله تعالى:((رَسُولًا)) منصوب على البدلية

فالذكر هنا هو رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم، بدلالة قوله تعالى:((ذِكْرًا (10)رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ))

فالآية تحتمل هذا المعنى وذاك.

والنفس تميل إلى اختيار الإمام أحمد رحمه اللَّهُ تعالى رحمة واسعة.

قوله تعالى في سورة الانعام :((ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوٓاْ إِيمَٰنَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ 82))

فسَّرَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم الظلم في هذه الآية بالشرك باللَّهِ، تعالى كما روى ذلك الإمام البخاري في صحيحه وغيره:”عَنْ عبدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عنْه، قالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هذِه الآيَةُ: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82]، شَقَّ ذلكَ علَى أصْحابِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقالوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟! فقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ليسَ كما تَظُنُّونَ؛ إنَّما هو كما قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ: {يَا بُنَيَّ لَاتُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13].

وحمل الظلم هنا على الشرك إنما هو من قبيل التخصيص وليس من قبيل التقييد، وهو تنبيه على أخطر أنواع الظلم، وإلّا فإن الظلم أعمُّ من الشرك بالله تعالى، فقد يظلم المرء نفسه بارتكاب ما نهى اللَّهُ تعالى عنه ورسوله صلى اللّهُ عليه وسلم؛ أو بالتقصير فيما أوجب اللَّهُ ورسوله صلى اللّهُ عليه وسلم.

وكذلك قد يكون الظلم متعدياً إلى الآخرين بسلب مال محرم؛ أو بهتك عرض محرم؛ أو بسفك دم محرم.

Similar Posts