الحُلَّةُ البَهِّية في تبيانِ أَقسامِ الأَحكامِ الوضعية

بقلم : الشيخ عبد المنعم البدراني

القانونُ الوضعيُّ ثلاثةُ أَنواع:النوع الأول:أَحكامٌ وَضعِيَّةٌ تخالفُ قطعياتِ الشريعةِ وثوابتِها فهذا النوعُ مردودٌ ولايجوزُ لمُسلمٍ أن يعملَ بها أو يتحاكمَ إليها وإن فعلَ مع علمِهِ بأنه معارضٌ لقواطعِ الدِّينِ فقد ارتَدَّ عن الإسلامِ وذلك لقوله تعالى في سورةِ النساء :(( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)) فَحَرفُ النَّفيِ في:((لَا يُؤْمِنُونَ)) هو نَفيٌ لِصِحَّةِ الإيمانِ و ليس نَفياً لكمالِهأنظرْ وتأملْ يرحمك الله. مِثالُ أن يساويَ في الميراثِ بين الذَّكر والأنثى مطلقاًأو أن يَمنَعَ القانونُ تَعَدُّدَ الزَّوجات.أو أن يُجيزَ القانونُ بيعَ الخمورِ وتَصنيعَها واستيرادَهاأو أن يُجيزَ القانونُ صالاتِ القمارِأو أن يُجيزَ القانونُ دورَ الدعارةاو أن يُجيزَ القانونُ الزواجَ المثليَّ وأشباهُ ذلك. فهذه الاحكامُ تُعَدُّ كفراً باللَّهِ وكتابِهِ ورسولِهِ وشريعتهِ ومن قَبِلَها وعَمِلَ بها أو تحاكمَ إليها فقد كفرَ كفراً أكبراً ناقلاً له من المِلَّة. وقد أُمِرَ المؤمنون بالكفر بها ومنه قوله تعالى في سورة النساء :((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60)وفي الآية جملة من المسائل :الأولى :قوله تعالى :((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ)) فوَصَفَ اللَّهُ تعالى إيمانَهم بالزَّعمِ وهو الإدعاءُ الاجوَفُ الذي يفتَقِرُ إلى المصداقيةِ والإخلاصِ في القولِ والعملِ ولذلك ذمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الزَّعْمَ والإدِّعاءَ لأنه عارٍ عن الصدقِ والإخلاصِ والمتابعةِ الحقَّةِ لله تعالى في كتابه وللرسول صلى الله عليه وسلم في سُنَّتِه فقال عليه الصلاة والسلام:(بِئْسَ مَطِيَّةُ القومِ زَعَمُوا) رواه أبو داود في سُنَنِه. الثانية:قوله تعالى :((يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ)) فهذا الزعم للإيمانِ باللَّهِ ورُسُلِهِ كذَّبَهُ العَمَلُ حينما أرادوا التحاكم إلى طواغيت العربِ واليهود والنصارى وهم العَرّافونَ والكَهَنَةُ والقَسَسَةُ والأحبارُ وشيوخُ العشائرِ الذين يحكمون بين الناس بالعاداتِ والتقاليدِ و الأحكامِ المُحَرَّفَةِ في التوراة والإنجيل التي تتنافى مع حكمِ اللَّهِ تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. الثالثة قوله تعالى:((وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60)وفي الآيةِ دليلٌ على أَنَّ التحاكم للطواغيت هو من عَمَلِ الشيطان الذي يؤزُّ الناسَ أَزَّاً للكفرِ بحكمِ اللَّهِ تعالى ورسولِه صلى الله عليه وسلم والتحاكم إلى أحكام الجاهلية ومنه قوله تعالى في سورة المائدة :((أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)وفي الآيةِ استفهامان:1_ :إِستفهامٌ استنكاريٌّ وهو قوله تعالي:((أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ)) إذ يُنكِرُ اللَّهُ تعالى على المنافقين ابتغائَهم حكمَ الجاهليةِ دون حكم اللَّهِ تعالى ورسولِهِ صلى الله عليه وسلم. 2_:هو إِستفهامٌ تَقرِيرِيٌّ في قوله تعالي:((وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) فَقَرَّرَ الله تعالى أنَّهُ لا أَحْسَنَ حُكماً من حكمهِ لِمَنْ أيْقَنَ بِصِدْقِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم. النوع الثاني:أحكامٌ تتوافقُ مع الأحكامِ الشرعيةِ مثلُ أحكام الأحوال المدنية في النِّكاحِ والطلاقِ والميراث واشباهِ ذلكَ فهذا لا شَكَّ في جوازِ العملِ بها. النوع الثالث:أحكامٌ وضعيةٌ معاصرةٌ لا يقومُ عليها دليلٌ خاصٌ من كتابِ اللَّهِ تعالى أو سَُّنةِ رسولِه صلى الله عليه وسلم لأنها ليستْ على مثالٍ سابقٍ معهودٍ فهذه الأحكامُ تدخلُ في المصالحِ المرسلةِ وفقهِ الموازناتِ بين المصالحِ والمفاسدِ المتمخضةِ منها وهو الذي يُقَرِّرُ فيه أهلُ الإختصاصِ مشروعيةَ العملِ بها أو رَدِّها مثلُ أحكامِ المرور أو الجوازات والعقوبات الجنائية التي لا تتقاطع مع أحكام الحدود في الإسلام واشباهِ ذلك.

Similar Posts