الاتجاهات الأصولية ومدارسها
بقلم : د.محمد الحاج عيسى
من المقدمات المهمة التي تحدد منهاج البحث في علم أصول الفقه؛ تحديد المدارس الأصولية واتجاهات المصنفين فيها، وهذا الأمر قد وقع فيه غلط عظيم عند أغلب المعاصرين, فالاتجاهات الأصولية من حيث الجملة اتجاهان اتجاه الفقهاء واتجاه المتكلمين، ولكل اتجاه منهجه وغرضه من التصنيف في هذا العلم؛ وهذا القدر صحيح متفق عليه؛ لكن عندما يحصر اتجاه الفقهاء في فقهاء الحنفية دون غيرهم، ويعد كل ما عدا الحنفية في اتجاه المتكلمين بما فيهم الشافعي رحمه الله، هنا نكون أمام وهم واضح، وقول يكذبه واقع الدرس الأصولي والمصنفات الأصولية التي بين أيدينا، وذلك أننا إذا نظرنا في المصنفات الأصولية بعد الشافعي إلى منتصف القرن السابع، نجد فيها فعلا اتجاهان بارزان متميزان وهما اتجاه الفقهاء واتجاه المتكلمين.
1-وفي الاتجاه الفقهي نجد الكتب التي اعتنت باستخراج أصول أبي حنيفة وأصحابه والانتصار لها، ونجد مثلها عند المالكية نحو مقدمة ابن القصار وكتب الباجي، ونجد عند الحنابلة كتاب العدة الذي لا يخفى اعتناؤه بتخريج آراء أحمد في الأصول من الفروع الفقهية، وعند الشافعية الأمر أوضح فالشيرازي صرح بتأليف اللمع في مذهب الشافعي، وصرح تلميذه ابن السمعاني في مقدمة القواطع بذم طريقة المتكلمين الذين أقحموا أنفسهم في هذا العلم، ولام بعض الشافعية وهو -الجويني- إذ سلك طريقتهم ترك طريقة الشافعي، ونجد أيضا كتب ابن حزم التي لا يشك في خلوها من مسائل الكلام وفي كونها موضوعة لنصرة المذهب الظاهري، الخلاصة أن اتجاه الفقهاء الذي يعتني ببيان آراء الأئمة المتبوعين أو تخريجها من الفروع، ثم الانتصار لها؛ يضم المذاهب الفقهية الخمسة وليس خاصا بالحنفية.
2-والاتجاه الكلامي هو اتجاه تبناه من كان له انتساب الى المدارس الكلامية من أتباع الفقهاء، وليس كل الفقهاء كانوا يدرسون الكلام في العصور الأولى بل كان تخصصا نادرا، فكان أول من خاض في الأصول المعتزلة؛ وذلك بغرض الانتصار لعقائدهم لا لمذاهبهم الفقهية المتنوعة، ثم تبعهم الأشعرية وكان غرضهم أيضا مناقضة آراء المعتزلة، فاشتهر في هذا الاتجاه القاضي عبد الجبار الشافعي المعتزلي والقاضي الباقلاني المالكي الأشعري وأيضا هناك مدرسة منسية وهي مدرسة الماتريدية التي أسسها الماتريدي نفسه إذ ألف في أصول الفقه، وسار على نهجه جمع من الحنفية منهم علاء الدين السمرقندي في كتابه الميزان، وقد أفصح في مقدمة كتابه عن سلوكه طريقة المتكلمين لا الفقهاء.
ومن الحقائق الجديرة بالذكر أنه بعد القرن السابع تخلى أكثر المالكية والشافعية عن منهج الفقهاء وجمدوا على كتب الرازي والآمدي ومختصراتها وثبت أكثر الحنفية على نهج سلفهم ، فربما كان ذلك سبب سريان الوهم الشائع ، والله أعلم.