من أعلام الإصلاح في العراق (11) الشيخ نور الدين الشيرواني

بقلم : الدكتور مثنى حارث الضاري

هو: الشيخ نور الدين (نوري) ابن الشيخ إسماعيل ابن الشيخ حسن بك، الشيرواني، نسبة إلى عشيرة (شيروان) الكردية المعروفة المنتشرة شمال محافظة (أربيل).ولد الشيخ (نور الدين) في (أربيل) سنة (۱۲۸۳ه-۱۸۹۹م) وتعلم القرآن الكريم وأوائل العلوم والخط والإنشاء فيها، ثم قصد (کربلاء) وأتم دراسته فيها على يد أخيه يد الشيخ (طه الشيرواني) الذي كان يعمل في كربلاء مدرسًا، وأخذ منه الإجازة العلمية العامة، وأخذ علم التجويد من الشيخ (عبد السلام البغدادي)، وجالس بعض الأطباء: كنظام الدين بك، وتوفيق بك الصوفي “للتضلع بسائر العلوم” “حتى استوى في أفق العلماء البارزين فقهًا ونحوًا وفلسفة ومنطقًا”.عمل (الشيرواني) أولًا معلمًا في المدرسة (الرشدية) في (كربلاء) بعد تأهله واجتيازه امتحان (مجلس المعارف) في بغداد سنة (1321ه)، الذي كان يضم وقتها: مدير المجلس الشيخ (محمد آل جميل) ومفتي بغداد الشيخ (محمد فيضي الزهاوي) والشيخ (شاكر الآلوسي) وغيرهم. واستمر في هذه المدرسة حتى سنة (1327ه)، وأحدث فيها عددًا من الإصلاحات، التي رُقيّ إثرها، ورقيّت المدرسة أيضًا إلى مدرسة ثانوية وبنيت لها بناية جديدة. ونقل (الشيرواني) بعد نجاحه في إدارة (رشدية) كربلاء إلى (رشدية) البصرة “فأصلحها وجعلها بدرجة تليق بها”، ثم نقل مرة أخرى مدرسًا للعلوم العربية والدينية في مدرسة قضاء (الحي) الذي كان يتبع ولاية البصرة وقتها، وتخرج على يديه عدد لا بأس به من طلبة العلم، ثم اختارته (مفتشية الصحة) في بغداد؛ لإدارة (مستشفى الغرباء) سنة (1904م). واختاره (ناظم باشا) رئيس الهيئة الإصلاحية التي كانت تزور العراق وقتها؛ عضوًا في مجلس المعارف. ودرّس (الشيرواني) أيضًا اللغة الفارسية في قسم الاحتياط بــ (مدرسة الحقوق) ببغداد سنة (1913م)، وهو قسم تمهيدي للمدرسة درّس فيه معه: حسن الباججي ونجيب أفندي، مادتي التاريخ والرياضيات. فضلَا عن مدرسي المراحل الأعلى، ومنهم: مفتي بغداد لاحقًا الشيخ يوسف العطا، والشاعر جميل صدقي الزهاوي، وعارف السويدي، ومحمد جودت، وإبراهيم شوقي أفندي، وحمدي الباججي، وحكمت سليمان، ورشيد عالي الكيلاني.وعين زمن ولاية (شوكت باشا) في بغداد وكيلًا لمدير (مدرسة الاعدادي)، ثم مديرًا في (مدرسة دار المعلمين) التي زارها (ناظم باشا) وقرر إقامة بناية لها، واختار لذلك لجنة ضمنت الشيخ الشيرواني، وباشر الشيخ باختيار مكان لها؛ ولكن العمل توقف فيها بعد مدة وجيزة بعد عزل (ناظم باشا)، ثم شكلت مرة ثانية في زمن (جمال باشا) الذي شكل لجنة ثلاثة لمواصلة العمل في المشروع ضمنت إلى جانب الشيخ الشيرواني: الأستاذ عبد اللطيف ثنيان، ومهندس الولاية جواد باشا. وقبل اكتمال العمل في بناية دار المعلمين؛ أعيد الشيخ إلى البصرة لتولي مهمة إدارة (دار المعلمين)، التي قام فيها أيضًا بإصلاحات مهمة، وبقي في البصرة “قائمًا بنشر العلوم وتثقيف الأذهان حتى سقوطها بيد الإنكليز”. وبعد معركة (الشعيبة) سنة (1914م) ترك البصرة متوجها إلى بغداد فعين مديرًا للمدرسة النموذجية (النمونّة)، ومدرسًا للفلسفة العلمية في مدرسة (المكتب السلطاني)، ثم مدرسًا لمادتي التربية والأخلاق في مدرسة (دار المعلمين) مرة أخرى، مع تكليفه في الوقت عينه بإدارة (دار الأيتام). واستمر هكذا حتى احتلال الإنكليز لبغداد في (11/آذار/1917م)؛ فانتقل إلى (كركوك) مدرسًا للأدب في (دار المعلمين)، ثم (مفتشًا للأعشار) في (أربيل) حتى سنة (1918م).عاد (الشيرواني) إلى بغداد أثناء الهدنة بين الإنكليز والعثمانيين، وظل متخفيًا مدة حتى اختير في شهر آذار سنة (1920م) مديرًا لـلكلية الأعظمية (مدرسة الأمام أبي حنيفة)، خلفًا للشيخ (محمد سعيد النقشبندي) -رحمه الله-الذي أصبح (ناظرًا) على الكلية، وبقي فيها قرابة ست سنوات ونصف السنة، واستقال منها لأسباب إدارية، فعين بعدها مديرًا للمدرسة (الرحمانية) من مدارس مديرية الأوقاف في البصرة بتكليف خاص من رئيس الوزراء وقتها (عبد المحسن السعدون)، وبقي فيها مدة حتى أحيل على التقاعد في (1/7/1930م). وكلف بعد تقاعده بالتدريس في مدرسة جامع (الأزبك) برصافة بغداد، والخطابة في جامع (الحاج أمين) بالكرخ، خلفًا لأخيه الشيخ (محمد طه) المتوفى سنة (1930م).الشيرواني: مجلسًا وتلاميذ كان للشيخ نور الدين مجلس علمي معروف مشترك مع شقيقه وشيخه (محمد طه)، يعقدانه بعد صلاة المغرب في جامع (الحاج أمين) في محلة (سوق حمادة) بكرخ بغداد، ويحضره عدد من رجال العلم والأدب والقضاء في المدينة، ومنهم: عبد العزيز القصاب، وعبد اللطيف المدلل، وكامل القصاب قاضي بغداد، وغيرهم.ودرس على يديه وأفاد منه في المدارس والمعاهد التي أدارها أو درّس فيها، كثير من طلبة العلم الذين أصبح لهم اسم وشأن بعد ذلك، ومنهم طلبة (كلية الإمام الأعظم) بين سنتي (1920_1926م)، وفيهم كثير من علماء العراق ومثقفيه وأدبائه وقضاته، نحو: حسين الأعظمي الفقيه والقانوني، وعبد الوهاب الفضلي مفتي البصرة، ومحمد شفيق العاني الفقيه والقانوني ورئيس محكمة تمييز العراق وإخوته، والدكتور كمال إبراهيم اللغوي والأديب المعروف، وغيرهم. الشيرواني: مؤلفًا ومترجمًا يقول (إبراهيم الدروبي): “لكل من العلامتين الشيخ طه والشيخ نوري مكتبة نادرة”، وللشيخ نور الدين خاصة “آثار علمية خالدة منها تأليف ومنها تعريب ومنها مطبوع”. ومؤلفات الشيخ نوري وترجماته تجاوزت الـ (20) كتابًا، وهي تدل على تنوع اهتماماته واختلاف قدراته وتعدد مآخذ التأليف العلمي عنده؛ فقد شملت عناوين كتبه: التاريخ، والفقه، والتربية، والمنطق، والفلسفة، وعلم الحيوان، والهندسة، وغيرها، وهي: (خلاصة تاريخ الإسلام) و(تاريخ التربية) و(المنطق القديم) (والمنطق الحديث) و(الفلسفة الأخلاقية) و(الفلسفة العليا)، و(الدروس الوضعية) و(علم الحيوان/الحيوانات) و(زبدة الهندسة) و(رد العوام عن امتهان ما له الاحترام) ، فضلًا عن كتابه في علم الخلاف، الذي لم يتمه كما يقول (السهروردي) ، ونوه به الدروبي قائلًا: “هو كتاب مهم” . وترجم عن اللغة الفارسية كتاب: (حقيقة الحقائق) الباحث “عن علم ما بعد الطبيعة على طريقة الحكماء والصوفية المتشرعة”، وزاد عليه ملاحظات وتعليقات، وترجم كتاب (الفلسفة العلمية) لإلكسي برتران. أما مؤلفاته غير المكتملة التي انفرد بذكرها أول مترجم لحياته (السهروردي) فهي: (قانون المناظرة وآداب البحث) و(البعث بعد الموت) و(العلم الإلهي الطبيعي) و(تاريخ القرون الأولى)، و(مختصر تاريخ بيزانس/القسطنطينية) بالتركية، ويبحث فيه “تأسيس دولة روما الشرقية وكيفية انقراضها”، و(السنوحات الإلهية في شرح أحوال السلسلة النقشية). وله مؤلفات أخرى قال السهروردي أنه لم يظفر بها، فضلًا عن أنه لا نعرف على وجه التحديد حال كتبه المطبوع منها أو المخطوط، باستثناء (الفلسفة العملية) المطبوع في البصرة؛ إذ لم تذكر غالب معاجم المؤلفين وفهارسهم شيئًا عن ذلك. الشيرواني: وطنيًا معنيًا بقضايا أمتهشهد العراق هبة كبيرة سنة (1933م) لنصرة الشعب الفلسطيني في انتفاضته الكبيرة حينها، وقد تنوعت الجهود في هذ السبيل وتوزعت أنحاء العراق، ومنها بغداد، التي كان الحس الوطني فيها غالبًا والشعور بالتضامن مع القضية الفلسطينية طاغيًا. وقد كان الشيخ (الشيرواني) وسط ذلك كله مشاركًا في مهام علماء وقته من واجبات شرعية ووطنية، وقد حفظت لنا صحف تلك المرحلة خبر مشاركته مع نخبة من علماء العراق في إصدار مذكرة احتجاج أرسلوها إلى (عصبة الأمم) عن طريق وزارة الخارجية العراقية، وأوصلوا نسخًا منها إلى مفوضيات الأقطار العربية والأجنبية في بغداد. وكان مع (الشيرواني) في التوقيع على هذه المذكرة، الشيوخ: محمد حبيب العبيدي، وإبراهيم الراوي، وبهاء الدين النقشبندي، وعبد الجليل آل جميل، وأحمد الراوي، وإسماعيل الواعظ، ومحمد رشید السعدي. وذهبوا فيها إلى أن مشكلة فلسطين، لا تُحل إلا العدل والإنصاف، وأنه لا يوجد في الكتب المقدسة وحقوق البشر الطبيعية، وما يتطلب معنی الإنسانية؛ مثيلٌ للسياسة المطبقة في فلسطين الهادفة إلى تحقيق الأطماع الصهيونية فيها، عن طريق فتح باب الهجرة على مصراعيه، والضغط على حرية العرب هناك، ومقاومتهم بالحديد والنار، عند مطالبتهم بحقوقهم المشروعة، وسفك الدماء وانتهاك الحرمات؛ مما أدى إلى تألم العالمين الإسلامي والعربي، وأن الكتب المقدسة أحق بالرعاية من وعد بلفور.وتُظهر مواقف (الشيرواني) الأخرى من الاحتلال البريطاني التوجه الوطني الذي كان يلتزمه، فقد كان يسارع إلى ترك كل مدينة يحتلها البريطانيون ولا يبقى فيها، فضلًا عن استمراره في وظيفته وعدم انقطاعه عنها على الرغم من الانسحابات المتوالية للقوات العثمانية وما يتبعها من مؤسسات سياسية وإدارية، فصعد مسافرًا من البصرة إلى بغداد ثم إلى كركوك ثم إلى أربيل، ولم يرجع إلى بغداد إلا بعد الهدنة المعلنة سنة (1918م)، وبقي فيها متخفيًا يترقب. ومن طرائف ما حصل له أثناء اشتداد ثورة العشرين في عموم العراق؛ أنه كان راجعًا بالقطار من كركوك إلى بغداد رفقة الشيخ (حمدي الأعظمي)؛ فأوقف ثوار ديالى القطار واعتقلوهما فيمن اعتقلوه من ركاب القطار؛ للتحقق من هوياتهم، ولم يفرجوا عنهما إلا بعد تدخل من يعرفهما.الشيرواني: تربويًا ومصلحًاتكاد حياة الشيرواني تكون سلسلة من الأعمال الإصلاحية عامة والتربوية خاصة، فقد كان -رحمه الله- في حركة دائبة على مدى نصف قرن من حياته في هذا المجال، فلا يكاد ينجز مهمة تربوية يُصلح فيها حال مدرسة أو معهد أو مؤسسة ما؛ حتى يعهد إليه بغيرها، وكأن مكافأة إصلاحه هي تكليفه بمهام أخرى! وقد رصد (السهروردي) رحلة (الشرويني) الطويلة هذه ونبه على الجهد الكبير المبذول فيها، قائلًا: “قضى نحو نصف قرن من حياته تقريبًا في مؤسسات التعلم والتربية، وخدمة أبناء الأمة خلق دمث وطبع نزيه وكفاءة تامة”، وقال عنه في موضع آخر: “هو رجل عالم فاضل… لاهم له غير الصلاح والإصلاح وبث العلوم”. ويقول (روفائيل بطي) الإعلامي المعروف وصاحب جريدة (البلاد) عن إدارة الشيخ (نور الدين) للكلية (الأعظمية): “كان يديرها الشيخ نوري الشيرواني، وهو من رجال الدين الذين يدعون دعوة إسلامية وله تأثير خاص بصفة كونه کرديًا”. وقد طغت صفة (نور الدين) التربوية على سيرته، فهو عند صاحب الأعلام: “باحث، من رجال التعليم في العراق”، وعند صاحب معجم المؤلفين المعاصرين: “باحث، تربوي”. ويرجع هذا الوصف الغالب إلى أنه درّس وأدار وعمل في (17) مؤسسة غالبها (علمي تربوي)، وبعضها غير ذلك (مستشفى، ومجلس معارف، ودار أيتام، ووظيفة إدارية). وقد توزعت هذه المؤسسات -تواليًا- على مدن: كربلاء والبصرة والحي وبغداد ثانية، والبصرة ثانية، وبغداد ثالثة، وكركوك، وأربيل، وبغداد رابعة، والبصرة ثالثة، فضلًا عن تدريسه وخطابته في جامع (الأزبك) بعد تقاعده. ويبرّر (السهروردي) هذه المراحل الكثيرة في حياة (الشيرواني) والانتقالات المتعددة؛ مرجعًا إياها إلى “أنه رجل عمل وإصلاح وعلم في كل فن” فتراه في (دار المعلمين) بالبصرة ينجز “أعمالًا جليلة خالدة من توسيع المدرسة وتعميرها وترتيبها وفق الأساليب العصرية”، ويقوم بإصلاح مستشفى الأيتام “أحسن قيام”. وفي سنوات إدارته للكلية (الأعظمية) “خدمها بإخلاص وحزم” و”أعيد النظر في مناهجها ونظام الدراسة فيها، فجعلت مدة الدراسة ست سنوات، تتألف من مرحلتين. وعلى الرغم من حساسية وضعه في بغداد (المحتلة) بعد عودته من أربيل أواخر سنة (1918م)؛ إلا أنه شارك في تأسيس (مدرسة التفيض) الأهلية بالتعاون مع: علي البزركان وجلال بابان، وغيرهم، وعقد معهم لقاءً خاصًا لانتخاب هيئة تأسيسية للمدرسة وجمع التبرعات لها، بحضور ومشاركة عدد من كبار علماء بغداد، في مقدمتهم الشيخ (عبد الوهاب النائب)، الذي حظيت المدرسة باهتمامه ورعايته بحكم توجهه في إنشاء المدارس وزيادة المعارف. وكم كنا نتمنى أن تصل إلينا كتب (الشرويني) ومؤلفاته وترجماته وتعليقاته، لتبين لنا عن أفكاره العامة، وآرائه الإصلاحية، وطرقه ومقترحاته لتنفيذ ما يراه من أفكار، وما يقترحه من إصلاحات تفصيلية، وما واجهه في طريقه اللاحب الطويل والمتنوع من تجارب ومصاعب.وفاته:توفي الشيخ نور الدين -رحمه الله- سنة (1341ه-1942م) ، وأعقب ولدين معروفين في الحياة العامة، هما: بهاء الدین نوري، الضابط والسياسي والدبلوماسي، والدكتور قتيبة الشيخ نوري، الطبيب الجراح ورئيس جمعية التشكيليين العراقيين الأسبق.

Similar Posts