دليلُ السمع أَنَّ الأصل في الشفاعةِ المَنْع
الشيخ عبد المنعم البدراني
السمعُ هو النصُّ من القرآنِ والسُنَّة وقد نصَّ اللَّهُ تعالى في كتابهِ أَنَّ الأصلَ بين العبادِ يومَ القيامةِ عدمُ قبولِ شفاعةِ بعضِهم لِبعضٍ.
ومنهُ قولُهُ تعالى في سورةِ البقرة:((وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (48)
الشاهد قوله تعالى :((وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةً)) فهذا هو الأصل.
وإنَّ قبولَ الشفاعةِ من الشُّفعاءِ يومَ القيامةِ استثناءٌ من هذا الأصل.
وهذا الاستثناءُ جعل اللَّهُ تعالى له قيوداً وشروطاً فإذا لم تَتَحقَّقْ هذه الشروطُ وهذه القيود عادَ حُكمُ الشفاعة ِ إلى أصلِ المنع.
وشروطُ قبولِ شفاعةِ الشفعاء يوم القيامةِ هي:
أولاً: الإسلام فمن ماتَ على الكفر الأكبرِ أو الشركِ الأكبرِ أو النفاقِ الاعتقاديِّ الأكبرِ فلا شفاعةَ له يوم القيامةِ.
تنبيه: وهذا الشرط لهُ استثناءٌ واحد، فلقد روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم: عن العباس بن عبدالمطلب قال: يا رسولَ اللَّهِ هل نفعتَ أبا طالبٍ بشيءٍ فإنه قد كان يَحوطُك ويغضبُ لك قال:( نعمْ هو في ضَحْضاحٍ مِنَ النارِ لولا ذلك لكان هو في الدَّرْكِ الأسفلِ مِنَ النار)
فشفاعة النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم له خَفَّفَتْ عليه العقوبة في النار.
وهذا استثناء خاص بأبي طالب، لا يصلح أن يكونَ قاعدة مُطَّرِدَة.
الشرط الثاني لقبول شفاعةِ الشفعاء هو إِذْنُ اللَّهِ تعالى للشافع بالشفاعة. ومنه قوله تعالى في آية الكرسي:((مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ)).
وحديث الشفاعة يروي لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :(أنا لها حتى يأذنَ اللَّهُ عز وجل). رواه الإمام أحمد.
الشرط الثالث: أن يرضى اللَّهُ تعالى للمشفوع له الشفاعة ومنه قوله تعالى :((وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ)). سورة الانبياء 28
أي لا يشفعُ الشفعاءُ غداً إلاّ لمن ارتضى اللَّهُ تعالى له الشفاعة.
فالشفاعةُ إذَنْ غيبيةٌ ظنِّيةٌ أن تقع على مُعَيَّن بِعَيْنِه.
فلا يجوز لمسلمٍ أن يَتَعَلَّقَ بسبب ظنِّيّ قد يُصيبه وينالُهُ وقد لا يِصيبُه فَيُطلِقُ العَنانَ لنفسهِ الأَمّارةِ بالسوء بارتكاب المعاصي والآثامِ والفواحش والموبقاتِ و الكبائرِ، أو بالتقصير بأداءِ ما أوجبَ الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بحُجَّةِ الشفاعةِ العظمى لرسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم يوم القيامة، لأن شُمولَه بها غيبيٌّ وظنيٌ قد يقعُ وقد لا يقع.
وإن سببَ النجاةِ القطعيَّ هو التوحيدُ والصلاةُ والتزامُ الأوامرِ واجتنابُ النواهي وإحلالُ الحلالِ القطعي وتحريمُ الحرامِ القطعي وتعظيمُ حدودِ اللَّهِ تعالى وحُرُماتِه وحدودِه وشريعتهِ.
مسألة
قولُه تعالى لعيسى بن مريم عليهما السلام في سورة آل عمران :((إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55)
فقوله تعالى:((وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ)).
ومعلومٌ أَنَّ النصارى قد حَرَّفوا دينَ عيسى عليه السلامُ فلم يَبْقَ من أتباعهِ على التوحيدِ أحدٌ، وإنّما انقسموا إلى طوائفَ كلُّهم يُشرِكون باللَّهِ تعالى ويكفرونَ بادِّعاءِ أنَّ عيسى عليه السلام هو ابنُ اللَّهِ تعالى اللَّهُ عمّا يُشرِكون.
ومنهم مَن يَدَّعي أنَّ عيسى عليه السلام هوَ اللَّهُ تعالى اللَّهُ عمّا يصفون.
ومنهم من يقول بعقيدة التثليث: اللَّهُ وعيسى وروحُ القُدُس.
فمَنْ هؤلاءِ الذين اتَّبعوا عيسى عليه السلام وهم فوقَ الذين كفروا الى يومِ القيامة؟
الجواب وَاللَّهُ تعالى أعلم وأحكم هو أن الذين اتبعوه بحق هم:
النبي مُحَمَّدٍ صلى اللَّهُ عليه وسلم وأمته، الذين آمنوا بِنُبُّوةِ عيسى عليه السلام وَبإِنجِيلِهِ وأنَّهُ عبدُ اللَّهِ ورسولُهُ وكَلِمَتُهُ ألقاها الى مريمَ عليها السلام وروحٌ مِنه وأَنَّ مَثَلَه كمثلِ آدمَ عليه السلام خَلَقَهُ من ترابٍ ثمَّ قالَ لهُ كنْ فكان.
فالنبيُّ مُحَمَّدٌ صلى اللَّهُ عليه وسلم مأمور باتباع سيدنا عيسى عليه السلام وغيره من النبيين، لقوله تعالى في سورة الأنعام الآية (90) :((أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ)).
واسم الإشارة:((أُولَٰئِكَ)) يعود على الأنبياء والمرسلين الذين سبقوا النبيَّ صلى اللَّهُ عليه وسلم، ومنهم عيسى عليه السلام!، والقاعدة الشرعية تنص على أنَّ:
“كلَّ أمرٍ للنبي صلى اللَّهُ عليه وسلم هو أمر لأمته، ما لم يأتِ نص يدل على الخصوصية”، فالامة مامورة باتباع النبيين ومنهم سيدنا عيسى عليه السلام.
ومِن هنا تَظهَرُ فضيلةُ هذهِ الأُمَّةِ على بقيَّةِ الأممِ فإنَّها الأمَّةُ الوحيدةُ التي تؤمنُ بجميعِ الرُّسُلِ ولا تُفرِّقُ بينَ أحدٍ منهم في أصلِ التصديقِ بِنُبوّاتِهم ورسالاتِهم وكتبِهم.
:((آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) سورة البقرة.