تأملات في الآيات القرآنية
(وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها)
بقلم : محمد الحسني
إن الله تعالى أنزل عليكم كتابه هدى ونورا، ليعلمكم الكتاب والحكمة ويزكيكم، ويعدكم لما يعدكم به من سعادتي الدنيا والآخرة، ولم ينزله قانونا دنيويا جافا كقوانين الحكام، ولا كتابا طبيا لمداواة الأجسام، ولا تاريخا بشريا لبيان الأحداث والوقائع، ولا سفرا فنيا لوجوه الكسب والمنافع، فإن كل ذلك مما جعله تعالى باستطاعتكم، لا يتوقف على وحي من ربكم، وهذا بعض مما وصف الله تعالى به كتابه في محكم آياته تدبرها سلفكم الصالح واهتدوا بها ، فأنجز لهم ما وعدهم من سعادة الدنيا قبل سعادة الآخرة في مثل قوله تعالى ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) ( الروم : 47 ) ، وقوله : ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) ( النساء : 141 ) ، وقوله : ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) ( المنافقون : 8 ) ، وقوله : ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ) ( ال عمران : 139 ).
وعدهم الله تعالى هذه الوعود في حال قلتهم وضعفهم وفقرهم، وبعدهم عن الملك والسلطان، وأنجز لهم ما وعدهم بما قضاه وجعله أثرا للاهتداء بالقرآن. عندها صلحت أنفس العرب بالقرآن إذ كانوا يتلونه حق تلاوته في صلواتهم المفروضة، وفي تهجدهم وسائر أوقاتهم فرفع أنفسهم وطهرها من خرافات الوثنية المذلة للنفوس المستعبدة لها، وهذب أخلاقها وأعلى هممها، وأرشدها إلى تسخير هذا الكون الأرضي كله لها، فطلبت ذلك فأرشدها طلبه إلى العلم بسنته تعالى وهداها إلى العلوم والفنون والصناعات، فأحيت مواتها، وأبدعت فيها ما لم يسبقها إليه غيرها، حتى قال صاحب كتاب تطور الأمم من حكماء الغرب: ” إن ملكة الفنون لا تستحكم في أمة من الأمم إلا في ثلاثة أجيال: جيل التقليد، وجيل الخضرمة، وجيل الاستقلال، وشذ العرب وحدهم فاستحكمت فيهم ملكة الفنون في جيل واحد “
( مقدمة تفسير المنار / محمد رشيد رضا / بتصرف )
قال تعالى ( وَإِنَّاۤ إِذَاۤ أَذَقۡنَا ٱلۡإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحۡمَةࣰ فَرِحَ بِهَاۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَیِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَیۡدِیهِمۡ فَإِنَّ ٱلۡإِنسَـٰنَ كَفُورࣱ ) جزء من الآية 48 / الشورى ٠٠
الاستفهام هو ؟؟ لماذا أضاف الضمير إلى نفسه جل جلاله في الإذاقة بينما أضافه إلى السيئة في الإصابة؟؟ ثم لماذا جاء بإذا الشرطية مع الرحمة بينما جاء بإن الشرطية مع السيئة؟ وقال (الإنسان) مع الرحمة بينما قال (تصبهم) بضمير الجمع مع السيئة ؟ وإليك ما جاء في كتب التفسير ومنه تعالى نستمد العون والمدد ٠
جاء في تفسير أبي السعود قوله :
﴿وَإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً﴾ أيْ: نِعْمَةً مِنَ الصِّحَّةِ والغِنى والأمْنِ.
﴿فَرِحَ بِها﴾ أُرِيدَ بِالإنْسانِ الجِنْسُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ أيْ: بَلاءٌ مِن مَرَضٍ وفَقْرٍ وخَوْفٍ.
﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ بَلِيغُ الكُفْرِ يَنْسى النِّعْمَةَ رَأْسًا ويَذْكُرُ البَلِيَّةَ ويَسْتَعْظِمُها ولا يَتَأمَّلُ سَبَبَها بَلْ يَزْعُمُ أنَّها أصابَتْهُ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ لَها، وإسْنادُ هَذِهِ الخَصْلَةِ إلى الجِنْسِ مَعَ كَوْنِها مِن خَواصِّ المُجْرِمِينَ لغَلَبَتِهِمْ فِيما بَيْنَ الأفْرادِ، وتَصْدِيرُ الشَّرْطِيَّةِ الأُولى بِـ”إذا” مَعَ إسْنادِ الإذاقَةِ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ إيصالَ النِّعْمَةِ مُحَقَّقُ الوُجُودِ كَثِيرُ الوُقُوعِ وأنَّهُ مُقْتَضى الذّاتِ كَما أنَّ تَصْدِيرَ الثّانِيَةِ بِـ”إنْ” وإسْنادُ الإصابَةِ إلى السَّيِّئَةِ وتَعْلِيلُها بِأعْمالِهِمْ لِلْإيذانِ بِنُدْرَةِ وُقُوعِها وأنَّها بِمَعْزِلٍ عَنِ الِانْتِظامِ في سِلْكِ الإرادَةِ بِالذّاتِ، ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ ٠٠ أقول :: أي قال فإن الإنسان ولم يقل فإنه )٠ لِلتَّسْجِيلِ عَلى أنَّ هَذا الجِنْسَ مَوْسُومٌ بِكُفْرانِ النِّعَمِ٠ انتهى كلامه رحمه الله تعالى ٠
وقال الألوسي في تفسيره ::
وتَصْدِيرُ اَلشَّرْطِيَّةِ اَلْأُولى بِإذا مَعَ إسْنادِ اَلْإذاقَةِ بِلَفْظِ اَلْماضِي إلى نُونِ اَلْعَظَمَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ إيصالَ اَلنِّعْمَةِ مُحَقَّقُ اَلْوُجُودِ كَثِيرُ اَلْوُقُوعِ وأنَّهُ مُرادٌ بِالذّاتِ مِنَ اَلْجَوادِ اَلْمُطْلَقِ سُبْحانَهُ وتَعالى كَما أنَّ تَصْدِيرَ اَلثّانِيَةِ بِإنَّ وإسْنادَ اَلْإصابَةِ بِلَفْظِ اَلْمُضارِعِ إلى اَلسَّيِّئَةِ وتَعْلِيلَها بِأعْمالِهِمْ لِلْإيذانِ بِنُدْرَةِ وُقُوعِها وأنَّها بِمَعْزِلٍ عَنِ اَلِانْتِظامِ في سَلْكِ اَلْإرادَةِ بِالذّاتِ والقَصْدِ اَلْأوْلى، وإقامَةُ عِلَّةِ اَلْجَزاءِ مَقامَ اَلْجَزاءِ مُبالَغَةٌ في ذَمِّهِمْ. انتهى كلامه رحمه الله تعالى ٠
وجاء عند برهان الدين البقاعي قوله :: ( وإنا إذا أذقنا الإنسان ) بعظمتنا التي لا يمكن مخالفتها. ولما كان من يفرح بالنعمة عند انفراده بها مذموما، عبر بالجنس الصالح للواحد فما فوقه تنبيها على أن طبع الإنسان عدم الاهتمام بشدائد الإخوان إلا من أقامه الله في مقام الإحسان فقال: (الإنسان) أي بما جبلناه عليه من النقص بالعجلة وعدم التمالك ٠ (منا رحمة) أي نوعا من أنواع الإكرام من صحة أو غنى ونحو ذلك، وأفرد الضمير إشارة إلى أنه مطبوع على أنه ليس عليه إلا من نفسه ولو كان أهل الأرض كلهم على غير ذلك،
وكذا عبر بالإنسان فقال: فرح بها أي ولو أن أهل الأرض كلهم في نقمة وبؤس وعمى فأخرجه الفرح عن تأمل ما ينفعه ليشكر، فكان ذلك لذلك كافرا للنعمة لأنه أبدل الشكر بالفرح والكفر فتوصل بالعافية إلى المخالفة، فأوقع نفسه في أعظم البلاء.
ولما دل بأداة التحقق على أن النعمة هي الأصل لعموم رحمته، وأنها سبقت غضبه، دل على أن السيئة قليلة بالنسبة إليها بأداة الشك والمضارع فقال: (وإن تصبهم) ولما كانت المشاركة في الشدائد تهون المصائب، فكان من يزيد غمه بخصوص مصيبته عند العموم مذموما، نبه على نقص الإنسان بذلك بالجمع فقال: (تصبهم سيئة) أي نقمة وبلاء وشدة. ولما كانت الرحمة فضلا منه، أعلمهم أن السيئة مسببة عنهم فقال: (بما قدمت أيديهم) وعبر باليد عن الجملة لأن أكثر العمل بها ٠
( فإن الإنسان ) أي الآنس بنفسه المعرض عن غيره بما هو طبع له بسبب مسه بضر كفور أي بليغ الستر للنعم نساء له، ينسى بأول صدمة من النقمة جميع ما تقدم له من النعم، ولا يعرف إلا الحالة الراهنة، فإن كان في نعمة أشر وبطر، وإن كان في نقمة آيس وقنط، وهذا حال الجنس من حيث هو، ومن وفقه الله جنبه ذلك كما قال صلى الله عليه وسلم: “المؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له” وليس ذلك إلا للمؤمن، والآية من الاحتباك: ذكر الفرح أولا دال على الحزن ثانيا، وذكر الكفران ثانيا دال على حذفه أولا. (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور / برهان الدين البقاعي)
أخيرا:
إن لهذا القرآن لثقلاً وسلطاناً وأثراً مزلزلاً لا يثبت له شيء يتلقاه بحقيقته. ولقد وجد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما وجد، عندما سمع قارئاً يقرأ: {والطور، وكتاب مسطور، في رق منشور، والبيت المعمور، والسقف المرفوع، والبحر المسجور، إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع} فارتكن إلى الجدار. ثم عاد إلى بيته يعوده الناس شهراً مما ألم به!
واللحظات التي يكون فيها الكيان الإنساني متفتحاً لتلقي شيء من حقيقة القرآن يهتز فيها اهتزازاً ويرتجف ارتجافاً. ويقع فيه من التغيرات والتحولات ما يمثله في عالم المادة فعل المغنطيس والكهرباء بالأجسام أو أشد.
والله خالق الجبال ومنزل القرآن يقول: { لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله } . . والذين أحسوا شيئاً من مس القرآن في كيانهم يتذوقون هذه الحقيقة تذوقاً لا يعبر عنه إلا هذا النص القرآني المشع الموحي ( الظلال / سيد قطب ) ٠٠