بينات الألفاظ والمعاني مع الشيخ البدراني
بقلم : الشيخ عبد المنعم البدراني
سورة من القرآن: كانت سببًا في هداية سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه وفي هدايتي.وهذه من الموافقات القدرية النادرة التي وقعت لي بفضل الله تعالى ومِنَّتِهِ وكرمه وجوده وإحسانه.فلقد سمعتُ شيخي الأول الشيخ المحدث والفقيه والمفسر والأصولي الشيخ وليد العاني رحمه الله تعالى رحمة واسعة وأجزل له المثوبة والغفران وهو يذكر قصة إسلام سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه وكيف أنه هجم على بيت اخته فاطمة بنت الخطاب وزوجها سعيد بن زيد رضي الله عنه وأرضاه وهو أحد العشرة المبشرة بالجنة وكان عندهما خبّاب ابن الأرَتِّ رضي الله عنه وأرضاه يُقرؤهما القرآن وحصرًا سورة طه. فلما سمعها سيدنا عمر لانَ قلبه للإسلام ثم طلب النسخة من أخته فاطمة فدفعت بها إليه فقرأها وكان يجيد القراءة والكتابة وهذا مما ساعده على فهم القرآن بسرعة فائقة فقال لهم:” دُلُّوني على محمد”فذهب إلى دار الأرقم فشهر إسلامه.وأما العبد الفقير المتحدث فلقد قلبت كياني آياتٌ من سورة طه في قوله تعالى:((وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ (124)قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (125)قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ (126).هذه الآيات أرعبتني، وجمَّدتْ الدمَ في عروقي، لأني استشعرتُ حالة العمى الحقيقي الذي سوف يصيب المرءَ المعرضَ عن الذكر يوم القيامة وهو بأمسِّ الحاجةِ إلى بصره في أرض سوف يفرُّ عنه فيها أقربُ الناس إليه كما قال الله تعالى في سورة عبس :((يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35)وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36)لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37)فانتبهتُ لنفسي وعزمتُ على طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وطلب العلم والتعلم ومن ثَمَّ الدعوة إلى الله تعالى، اللهم فلكَ الحمد حتى ترضى. ولك الحمد حتى تُجزى، ولك الحمد حتى يبلغ الحمد منتهاه، ولك الحمد في الأولى والآخرة، اللهم فألحقنا بسيدنا محمد وإخوته من الأنبياء والمرسلين وصحبه الكرام الغرِّ الميامين في الفردوس الأعلى إنك أنت الكريم المنان البر الرحيم.التشابه اللفظي والاختلاف المعنوي في القرآن:هناك ألفاظ تشترك في البناء اللفظي ولكنها تختلف في المراد المعنوي، ومنها قوله تعالى في سورة المؤمنون :((قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)).فالخشوع هنا هو السكينة والهدوء والصمت والطمأنينة بذكر الله تعالى.أما قوله تعالى في سورة الغاشية :((وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2))أي ذليلة مهانة من الخزي والعار والفضيحة والشنار بعذاب النار. وهناك معنى أعم يشمل المؤمنين والكافرين. وغيرهم من الخلائق، ومنه قوله تعالى في سورة طه :((وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (108)). والخشوع هنا هو السكون والصمت المطبق. وهذا واقع يوم القيامة على كل الخلائق فلا تسمع لأحد منهم صوتًا إلا همساً، والهمس هنا ليس كلاما إنما هو صوت أقدامهم وهم يساقون إلى أرض المحشر والحساب، فإن صوت الأقدام يسمى همسا عند العرب كما نقل ذلك الطبري في تفسيره عن ابن عباس وغيره من السلف وهو أقوى دلالة على المراد ممن قال هو الصوت الخفي وذلك لعموم قوله تعالى :((وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ)).والله تعالى أعلم وأحكم.معنى الحور بعد الكور:كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سافر يتعوذ فيقول :(اللهم إني أعوذ بك من الحَوْرِ بعدَ الكَوْر) رواه ابن ماجة وهو جزء من حديث رواه الإمام مسلم في صحيحه.والحَوْرُ هو حَلُّ العمامةِ بعد كَوْرها أي ربطها بقوة وإحكامها بشدة فإذا بها تَنْحَلُّ وتنفلت من فوق رأس صاحبها، وهي كناية عن تَبَدُّلِ الأحوال من حسنة إلى سيئة، ومن خير إلى شر، ومن ثباتٍ إلى انقلاب على الأعقاب، ومن إيمانٍ إلى كفر، ومن توحيد إلى شرك، ومن سُنَّةٍ إلى بدعة، ومن هدىً إلى ضلالة، ومن طاعةٍ إلى معصية، ومن تقوى إلى فجور، ومن إسلامٍ الى رِدَّةفنعوذ بالله من الحَوْرِ بعد الكَوْر، ونسأله جل في علاه الثباتَ على التوحيد والسُنة ومنهج السلف الصالح حتى نلقاه وهو راضٍ عنا غير غضبان.