داء الاغترار بالعلم

بقلم : د. محمد الحاج عيسى

إن الغرور مرض قتال وداء عضال، وإن شر الأمراض ما يصيب القلوب فيقطعها عن الله علام الغيوب، وقد بين لنا ربنا سبحانه خطره وحذرنا منه في كتابه فقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) (فاطر:5) وبين لنا أيضا مصير من اغتر بالدنيا وظواهر الأمور كالمنافقين، وهم من أعظم الناس غرورا في الدنيا، قال تعالى : (يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (الحديد:14-15).

إن الغرور داء خطير: لأنه مانع من موانع التوبة والإنابة والله تعالى يقول : (وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الحجرات:11)، ولأنه يدفع إلى تزكية النفس وإحسان الظن بها، والله تعالى يقول: (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) (النجم:32)، ولأنه يدفع إلى نكران نعمة الله تعالى كما قال قارون: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) (القصص:78)، لأنه يدفع إلى الأمن من مكر الله تعالى والله تعالى يقول : (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) (الأعراف99)، ولأنه يدفع إلى قطع الأعمال الصالحة، يقول أحدهم: قد عملت وعملت فلم الزيادة. إن الغرور داء خطير لأن أسبابه كثيرة متعددة، فمن سلم من بعضها لا يكاد يسلم من البعض الآخر، والغرور داء خطير لأنه يصاب به المؤمنون والكفار والأبرار والفجار، إلا من عصمه رب العالمين.

ومن مظاهر الغرور وأنواع المغرورين؛ من يغتر بما حصل له من علم فيحسب نفسه أعلم الناس ويتكلم في دين الله بلا ورع، ويفتي بالظن ويجادل بلا علم قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ) (الحج:8-9). وقد قيل: العلم ثلاثة أشبار، من دخل في الشبر الأول تكبر ومن دخل في الشبر الثاني تواضع، ومن دخل في الشبر الثالث علم أنه ما يعلم.

ومن علامة هذا الغرور أن يشعر المرء أنه محتم عليه أن يبدي رأيه في كل مسألة أو قضية، وهو من شدة مرضه يتخيل الأمة كلها تنتظر كلمته أو فتواه؛ وكأنه لا عالم في الدنيا سواه ، ومن علامته أن ينتصب دوما للنقد لا للتقرير ، وللهدم لا للبناء، وتصبح عينه لا تنظر في المسائل إلا من جهة أن فلانا أخطأ وفلانا ابتدع وفلانا تناقض، فيكون الانتقاص من الغير هدف بالأصالة، وأما بيان الحقيقة فحاصل بالتبع ، ومن علامته أن ترى المريض به مهوس بالدعاية لنفسه وإبراز فضائله وصوره ومواقفه ، والإشادة بسبقه ومناقبه والتكثر بعلومه وأتباعه ، في مهازل غير متناهية يراها كل عاقل وهو من شدة سكره لا يفطن لما هو واقع فيه.

ورحم الله الإمام أبا حامد الغزالي الذي صنف كتابا جعل عنوانه صادما وجذابا في آن واحد فسماه : الكشف والتبيين في غرور الخلق أجمعين، وخص المنتسبين إلى العلم بفصل كبير وصنفهم أصنافا فصّل فيها تفصيلا بديعا، فذكر منهم من أحكم العلوم الشرعية والعقلية وأهمل تفقد جوارحه وحفظها عن المعاصي، ومنهم من أحكم العلم والعمل الظاهر وغفل عن قلبه فلم يطهره من الكبر والرياء وحب الرياسة والشهرة ونحوها، ومنهم من علم سوء هذه الأمراض الباطنة لكنهم ظنوا أنفسهم منزهة عنها ، ومنهم من أحكم العلم التزم الطاعة واجتهد في تطهير قلبه من أمراضه لكن ذهل عن بقايا من خفايا مكايد الشيطان وخبايا مكايد النفس، ومنهم من ترك المهم من العلم العيني المنجي واقتصر على علم الفتاوى والأقضية وتفاصيل المعاملات، ومنهم من اقتصر على الجدل والرد على المخالفين وتتبع تناقضاتهم ، وبين وجه غروره سواء كان من أهل الحق أو الباطل، ثم ذكر غرور الوعاظ والمحدثين والنحاة ..

والكتاب جدير بأن يقرأه المرء وبجانبه مرآة، لأنه لا ينتفع به من يقرأه وهو يلتذ باستحضار أحوال غيره بدلا من النظر في حاله وأعماله والتفتيش في خبايا نفسه.

والكتاب ليس خاصا بالمنتسبين للعلم، بل هو عام للخلق أجمعين الكافرين والمؤمنين، والعصاة والطائعين، وأهل العلم وأهل العبادة والطاعات وأرباب الأموال والمتصوفة المتقشفة.

نسأل الله تعالى أن يطهر قلوبنا وأن يبصرنا بعيوبنا وأن يأخذ بنواصينا إلى الحق ويهدينا سواء السبيل.

Similar Posts