أوتروا … ولا تطففوا في عبادتكم

الشيخ عبد المنعم البدراني

قوله صلى الله عليه وسلم :(أَوْتِروا يا أهل القرآن فإن الله وتْرٌ يحب الوتر) رواه الإمام أحمد وابن خزيمة وأبو داود والترمذي.

وفي الحديث جملة من المسائل:

الأولى: قوله صلى الله عليه وسلم :(أَوْتِروا) فعل أمر وهو على وجه الاستحباب وليس على وجه الوجوب ومنه قول أمير المؤمنين سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه أنه قال :(إنَّ الوِترَ لَيسَ بِحَتْمٍ، وَلا كَصَلاتِكمُ المَكتوبةِ) رواه الإمام أحمد وغيره.

وهو من السُنن الآكدة التي واظبَ عليها النبي صلى الله عليه وسلم في الحضر وفي السفر.

الثانية: قوله صلى الله عليه وسلم :(يا أهل القرآن) وأهل القرآن هم أهل الإسلام الذين آمنوا بالله رسوله صلى الله عليه وسلم والكتاب الذي أُنْزِلَ إليه.

فهذا الأمر بصلاة الوتر هو أمر لكل أمة محمد صلى الله عليه وسلم رجالاً ونساءً؛ صغارا وكباراً فيُستحب لهم أن يوتروا من الليل بثلاث أو خمس أو سبع أو تسع أو إحدى عشرة أو ثلاث عشرة أو أكثر من ذلك فإن القيام لا حدَّ لعدد ركعاته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :(صلاة الليل مثنى مثنى فإن خشي أحدكم الصبح فليوتر بركعة توتر له ما قد صلى) رواه الشيخان.

مسألة:

لماذا نادى النبي صلى الله عليه وسلم الأمة بنداء أهل القرآن حينما أمرهم بالوتر؟

وذلك لأن الله تعالى وتر أي واحد لا شريك له، فذكَّرَ النبي صلى الله عليه وسلم الأمة بالقرآن ونسبهم إليه لأن كل ما جاء في القرآن فهو التوحيد ولوازمه كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين: “فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم.”.

ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم الأمة بالوتر لأنه يذكرهم بالله الوتر جل وعلا، والوتر اسم من أسماء الله تعالى الثابتة في السنة ويعني الواحد الفرد الأحد الصمد الذي لم يولد ولم يكن له كفوا أحد.

ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:(فإن الله وتْرٌ يحب الوتر) أي أن الله مفرد واحد يحب كل رقم وتر مفرد سواء أكان في الصلاة أو غيرها.

ولذلك كان النبي صلى الله وسلم يحب كل فعل وِتْرٍ لأنه يذكره بالله تعالى الوتر الأحد الذي لا شريك له ولا مثيل له سبحانه وتعالى عما يشرك به المبطلون.

فائدة:

وعلى هذا المعنى يحمل قوله صلى الله عليه وسلم:(إن لله أهلين من الناس» قالوا: يا رسول الله، من هم؟ قال: «هم أهل القرآن، أهل الله وخاصته» رواه ابن ماجة وغيره ،فأهل الله وخاصته هم اهل القران وهم أهل الإسلام، فما من مسلم إلا وله نصيب من كتاب الله تعالى تلاوة وعلما وعملا ،وإن حمل الحديث على الحفاظ منهم فيه نظر وقصور، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق تسمية:(أهل القرآن)

على الأمة كلها في قوله:(أوتروا يا أهل القرآن)ومعلوم أن الوتر مستحب لكل مسلم وليس للحفاظ فحسب … انظر وتأمل يرحمك الله.

التطفيف بالعبادة:

قال ابن_رجب – رحمه الله – :

” أما يستحي من يَستوفي مكيال شهواته، ويُطفف في مكيال صيامه وصلاته، إذا كان الويل لمن طفَّفَ مكيال الدنيا فكيف حال من طفَّفَ مكيال الدين “.[ لطائف المعارف ٢٠٩/١ ]

رحم الله الحافظ بن رجب

أعطى للتطفيف توصيفا معنويا حتى لا يفهم قوله تعالى:((وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ (1))على التطفيف المادي للمبيعات والمشتريات كالطماطم والخيار والباذنجان واشباهها فحسب؛ وإنما هناك تطفيف أعظم إثماً وأكبر حوباً ألا وهو تطفيف الحسنات والطاعات والمرضيات والفرائض والواجبات فإن كثيرا من الناس يستوفي الكيل والميزان في شهوات فرجه وبطنه ونفسه الأمّارة بالسوء ولا يعدل في استيفاء الواجبات والفرائض بل يطففها تطفيفا ويقصر في أدائها على أكمل وجه وربما يهملها ولا يلقي لها بالًا.

وفي كلام الحافظ رحمه الله التفاتة عظيمة ألا وهي أن هذه الأوزان المعنوية من الإيمان والإحسان والعمل الصالح والتقوى والصلاح والاستقامة على شريعة الله سوف تتحول يوم القيامة إلى كتل مادية توضع في كفة من كفتي الميزان يوم القيامة.

كما أن المعاصي والفواحش والآثام والمحرمات والكبائر والتقصير في أداء الواجبات سوف تتحول إلى كتل مادية يوم القيامة فتوضع في الكفة الأخرى لميزان الأعمال يوم القيامة:((فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102)اي بالحسنات

:((وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103) اي من الحسنات

فيكون تطفيفه للحسنات وتثقيله للسيئات في الدنيا سببا في تطفيف حسناته القليلة في ميزان الأعمال يوم القيامة فيكون جزاؤه من جنس عمله…انظر وتأمل يرحمك الله

Similar Posts