الدين “البوهيمي” الجديد .. آخر محاولات الشيطان
الناقدأدهم الشبيب
يعكف بعض العرب اليوم “ابن سلمان وابن زايد والسيسي وأحزاب متنفذة من العراق” وبمساعدة ودعم بل وتأسيس من جهات غربية عميقة مجهولة يظهر على السطح منها فقط “إسرائيل والبابا وبعض زعماء أوروبا” ، يعكف أولئك جميعا بأمر من الحكومة العالمية الخفية -كما يبدو- على صياغة دين وضعي جديد يحاولون فيه جمع ثلثي سكان العالم المأهول اليوم تحت مظلة عقائدية واحدة، تسميتها جميلة “دين إبراهيم” لها أسس وتاريخ يبدأ من أول حضارة على الأرض في بلاد الرافدين وأول مدن العراق القديم “أور” لينتهي بأحدث مدينة معاصرة بنيت لأغراض مريبة قبل عقدين “دبي” ،
وأهداف تلك المظلة مغرية وإن لفّها كثير من الغموض؛”جمع فرقة العالم وتوحيد الديانات من أجل سلام الأرض” ! ولكن أيّ سلام، السلام المضحّي بفلسطين لليهـ.و”د ، أم السلام المتبرع بثروات جزيرة العرب للغرب، أم السلام المتنازل عن بلاد الحرمين للإنجيليين، السلام مع الترفيه والرقص والمجون والاختلاط والبلاجات وسلخ الهوية الاجتماعية والقيمية والدينية لأهل المنطقة المقدسة كلها وللشرق السامي من بعد ذلك، أم سلام اعتقال دعاة المسلمين وقتل العلماء العاملين وإطلاق المطبلين والمنبطحين، أم أي سلام.
وقد كتبت قبل سنة عند زيارة البابا للعراق والبدء بالتلميح لإقامة هذا البرنامج المسمى زورا “إبراهيمي” مقالين منشورين طرحت فيهما حكم القرآن الكريم في ذلك (ما كان إبراهيم يهوديا،،،)، ورأي المجتمع (الدين الإبراهيمي والعراق) ، واليوم ولمناسبة تأسيس أول لبنة علنية لهذه البدعة في بلد عربي، أحاول تناوله من جانب آخر:
فهذه النسخة من الدين على الطريقة البوهيمية Bohemianism؟
والتي كانت تعني -لمن يستفهم عنها- ممارسة أنماط حياة غير تقليدية، لمجموعات من الأشخاص ذوي ميول غريبة مشتركة، وتتسم بعدد ضيق من العلاقات لكنها تمثل تحالفات طويلة الأمد، وكانت تتضمن عناصر اللاهوت والإيديولوجية والميثولوجيا والروحانية، قبل أن تتوسع إلى الفن والأدب، وهي تركز على الأنانية الفردية طبعا وتأثير الفرد على العالم من حوله، عندما ظهر كمصطلح لأول مرة في اللغة الإنجليزية في القرن التاسع عشر لوصف أنماط الحياة غير التقليدية للمهمشين والفقراء من المبدعين كتّابا وفنانين في المدن الأوروبية الكبرى، وظهر في فرنسا أيضًا في أوائل القرن التاسع عشر عندما بدأ الفنانون والمبدعون بالتركيز على أحياء الغجر الفقيرة، لتشابههم مع منطقة (بوهيميا) الغجرية في جمهورية (التشيك).
وقد اخترت هذا العنوان لوصفهم في مقالي لأن قاموس الكلية الأمريكية عرفهم بأنهم: ”أشخاص ذوو ميول فنية أو فكرية أو دينية شاذة ويتصرفون من دون أي اعتبار لقواعد السلوك التقليدية“. ولأن ما يجري اليوم بيننا من إيهامات من قبلهم يقارب ما حدث في رواية (سوق الأضاليل) للكاتب الإنجليزي (وليام ميكبيس ثاكري) التي نشرت عام 1948، والتي تسخر من المجتمع البريطاني المحافظ في بداية القرن التاسع.
وهم يناهضون المؤسسات والنظم التقليدية ويرتبطون بوجهات نظر سياسية أو اجتماعية غير تقليدية، من أجل الفرد والغرابة والشـ.ذوذ كما طرحت مسرحية (مشاهد من الحياة البوهيمية) للكاتب (هنري موجيه)، والتي حولها الموسيقار الإيطالي المشهور (بوتشيني) من أفكار إلى قطع موسيقية. وكذلك يهدفون إلى خلق تصورات عامة لأنماط حياة بديلة وشاذة يفترض أن يقودها البوهيميون، لتبدو قريبة مما صاغته رواية (جورج دو مورييه) الرومانسية المشهورة.
فأفكار مريبة كالدين العبثي هذا الذي يؤسسون له اليوم ليست وليدة اللحظة فقد بدأ مواطنون بوهيميون بالهجرة إلى أمريكا في عام 1845 وضمت مجموعات من الراديكاليين والكهنة السابقين ممن أرادوا حكومة دستورية،”وقد كان البوهيميون متحضرين وليبراليين كما هو متوقع، ومبدعين أيضًا، ولكن كانوا قليلي إظهار حقيقة الأهواء السياسية الدفينة” بينما أظهروا حرصا على الاستكشاف أو الدفاع عن الروح الدينية على الرغم من انتقاد الدين المنظم لهم.”*
ويغري البوهيميون الفرد بأن للإنسان قوة حياة، “وأن عليهم استخدام هذه القوة ليصبحوا فريدين مميزين، ويختلف ذلك كثيرًا عن علم اللاهوت السائد الذي يتطلب التواضع والطاعة. ويقولون إن “الحياة هبة رائعة من المفترض أن نستمتع بها، فالحياة ليست مجرد اختبار؛ بل ينبغي أن نغرق بها أيضًا، كلّ منا على طريقته.”
أما عن الحياة الآخرة فيعتقد البوهيميون أنها تكون من التأثير الدائم الذي يصنعه البوهيمي على البشر الآخرين وعلى العالم، فعندما يموت البوهيمي فإنه يبقى حياً في قلوب وعقول البشر الذين أثر فيهم،
و عَودا فإن الذي سرّب هذه الفكرة الشيطانية الناضجة إلى القائمين على الدين المدّعى اليوم هو فشلهم في ضرب الإسلام في أسسه وثوابته وإخفاقهم في النيل من سمعته وتعاليمه البينة بتهم الإر.هاب وافتراء ظلم المرأة والأقليات التي اختلقت نهاية القرن الماضي، وعجزهم عن وقف انتشاره في البلدان التي يحكمونها، وتراجعهم الاضطراري أمام لوم العالم المتفهم لوجود حرب إيديلوجية مصطنعة ضد الإسلام دون وجه حق، والذي دفعهم لإعلانه في وقتنا هذا هو التقارب العالمي “العولمة” ووجود الشبكة المعلوماتية العنكبوتية وتأثيرها الفوري والكبير على المجتمعات في القرن الجديد وحولتها إلى “قرية صغيرة” ، حيث تم العبث مسبقا بالأخلاق والثوابت لإغراء السفهاء والجاهلين وهواة الابتداع والمقلدين وخلق أجواء دنيوية مغرية تلائم -كثيرًا- بعض المثقفين المنسلخين والماديين ومعهم النساء والمراهقين ، ، وما خلقوه من تسميات مزيفة من “قرآنيين” و”متحررين” و”تنويريين”!
فكانت فكرة احتواء الإسلام من الداخل وبادعاء قبوله بل واتباعه هي الحل الأكثر قبولًا لدى العالم الذي ما عاد يصدق أكاذيبهم، فالدين لإبراهيم وهاهم “يتبعون دين إبراهيم” ، ويقول القرآن إن الدين واحد “وها نحن نعيده واحدًا” ، وقد انطلق إبراهيم من العراق وهاهم “ينطلقون من العراق” ،ووفد على مصر “وها نحن نستدعي مصر” ، ويقول الإسلام إن الأنبياء أخوة وها نحن “نؤاخي بينهم في بيت واحد” ، ومقام إبراهيم في الجزيرة، وها نحن “نحيي مقامه في الجزيرة” ، وقد بنى بيتا في مكة وها نحن نوقر بيته في مكة ونطمح أن نزوره جميعا دون فرق بين مسيحي أو صابئي أو غيره قريبًا ودون تحريم، والأمور تتحقق بالتدريج دون إثارة زوبعة مفاجئة،
وإذ إنهم يضعوننا في موضع يكون فيه القابض على دينه “كالقابض على جمرة من النار” لن يثنينا أو يكسرنا، وإن إغراء المغيبين من العوام، وتجنيد المأجورين من المثقفين، وتشجيع الناعقين من الجهلة، وتمويل المؤسسات المنحرفة والمنظمات المبيتة ونشر الأفكار الباطنية المسمومة والاستقواء بحكام عرب ومسلمين معينين ومؤدلجين لتمرير هذا المسخ الذي يسمونه دينًا، لن يجدي نفعًا ولن يدوم طويلًا، فسيزول كما زال كثير قبله، وسينقشع الدين البوهيمي ويبقى دين إبراهيم الذي { كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ}.والحمد لله رب العالمين.