الصواب والحقيقة في فَهم الصِّدِّيقة
الشيخ عبد المنعم البدراني
أفقه نساء النبي صلى اللّهُ عليه وسلم وأعلمهنَّ بالسنة النبوية، إنها أم المؤمنين عائشة رضي اللّهُ عنها وأرضاها
يفسر ابن اختها عروة بن الزبير قوله تعالى:((إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158)
فيقول لها: “قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158]، فَوَاللَّهِ ما علَى أَحَدٍ جُنَاحٌ أَنْ لا يَطُوفَ بالصَّفَا والمَرْوَةِ.؟!.
فقالت له:” بِئسما قلتَ يا ابنَ أُختي إنَّ هذِهِ الآيةَ لو كانَت كما أوَّلتَها ، كانت فلا جُناحَ علَيهِ أن لا يطَّوَّفَ بِهِمَا”
تأمّلْ الفهم العربي الدقيق للقرآن الكريم، فإنما هو نفي الجناح عن الطواف بهما، وليس نفي الجناح عن عدم الطواف بهما.
ثم طفقت تبين له حجتها في هذا الفهم العميق للآية، وذلك من طريقين:
الأول :تبيان سبب نزول هذه الآية فقالت:” نزَلت في الأنصارِ قبلَ أن يُسلِموا ، كانوا يُهِلُّونَ لمَناةَ الطَّاغيةِ الَّتي كانوا يعبُدونَ عندَ المشلَّلِ ، وَكانَ من أَهَلَّ لَها يتحرَّجُ أن يطوفَ بالصَّفا والمروةِ ، فلمَّا سألوا رسولَ اللَّهِ عن ذلِكَ ؟ أنزلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ ، إِنَّ الصَّفَا والْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا.
والثاني :قولها:”ثمَّ قد سنَّ رسولُ اللَّهِ ، الطَّوافَ بينَهُما ، فليسَ لأحدٍ أن يترُكَ الطَّوافَ بِهِمَا.
وهذا من أعظم أدوات الفقه، أن يكون المرء عالماً:
أولاً:بعلوم اللغة العربية وآدابها وأساليب تكلم العرب بها، ولذلك قالت له:” لو كانَت كما أوَّلتَها ، كانت فلا جُناحَ علَيهِ أن لا يطَّوَّفَ بِهِمَا” فصوَّبَتْ له فهمه للآية بلغة العرب.
ثانيا : بعلوم القرآن عند تفسيره، ومن أهم علومه علم أسباب النزول، ولذلك حينما مرَّ سيدنا أمير المؤمنين علي رضي اللّهُ عنه وأرضاه بحلقة علم ووجد رجلا يفسر للناس كتاب اللَّهِ تعالى قال له :”يا هذا هل علمت أسباب النزول والناسخ المنسوخ؟، فقال له الرجل: لا أمير المؤمنين، فقال له سيدنا علي: إذن لا تجلس للتفسير.
ثالثاً: وكذلك من أعظم أدوات الفقه هو العلم بالسنة النبوية الشريفة وهو معنى قولها:” ثمَّ قد سنَّ رسولُ اللَّهِ ، الطَّوافَ بينَهُما ، فليسَ لأحدٍ أن يترُكَ الطَّوافَ بِهِمَا.
وهذا هو أتم سبل تفسير كتاب اللّهِ تعالى لأن اللّهَ تعالى قال في سورة النحل :((وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44)).
فتبيان القرآن لا يستغني عن السنة، فهي مبينة له على أتم الأوجه وأكملها.
فرضي اللّهُ عن أم المؤمنين عائشة وأسبغ عليها سربال الرفعة والسمو في الدنيا والآخرة.