هلمُّوا نستعيذ مما استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم
الشيخ عبد المنعم البدراني
كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ” اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ “.صحيح البخاري حديث رقم ٦٣٦٩
وفي الحديث جملة من المسائل:
الأولى: قوله صلى اللَّهُ عليه وسلم:(اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ،))
لأن الهمَّ والحزن يضعفان الهمة والعزيمة والرغبة والجد والاجتهاد والمثابرة في العمل والإبداع والتغيير.
والهم والحزن نوعان:
الأول: وهو الحزن المكتسب بسبب هموم الحياة ومشاغلها وأعبائها وما يتعلق بالرزق والكسب والمعيشة وهذا هو الذي يتعوذ منه رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ويجب ذلك على أمته.
الثاني: هو الهم والحزن الفطري الجِبِلِّي، وهذا النوع من الحزن ليس مقصوداً بهذا الحديث، لأنه لا دافع له عن النفس، فهو جزء من تركيبها الإنساني والبشري والآدمي، ومنها الحزن على الميت وفراق الأحبة بسفر أو غيره أو هزيمة أمام عدو، وأشباه ذلك، ومنه قوله صلى اللَّهُ عليه وسلم يوم مات ابنه إبراهيم :(إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون).
فهذا حزن فطري لا يمكن للنفس أن تنفك عنه لأنه متعلق بالرأفة والرحمة، ولما تعجب عبد الرحمن بن عوف رضي اللَّهُ عنه حينما رأى رسول الله يبكي فقال عبد الرحمن: “وانت يا رسول اللَّه؟!”
أي تبكي على الميت؟!
فقال عليه الصلاة والسلام:(إنها رحمة) رواه البخاري في صحيحه
أي رحمة الوالد على الولد، فهذه فطرية لا فرق بين النبي وغيره فيها.
ومنه قوله تعالى مخبرا عن سيدنا يعقوب عليه السلام:((وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84)
وقوله عليه الصلاة والسلام: ((يَا أَسَفَىٰ))أي واحزناه على يوسف عليه الصلاة والسلام وأصابه العمى من شدة الحزن عليه.
قوله صلى اللَّهُ عليه وسلم:(والعجز والكسل)
وهما داءان خطيران يُحيلان المجتمع إلى مجموعة متواكلين ومتسولين وعالة على الناس،
والعجز نوعان:
نوع قدري:
من سنن اللَّهِ في خلقه وهو الكِبٓر و التقدم بالعمر والشيخوخة، وهذا لا يُدفع بحال لأنه سنة قدرية، ومنه قوله تعالى :((اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (54)سورة الروم
وهذا العجز وإن كان لا يدفع عن المرء، ولكن يجوز الاستعاذة من أرذله وسوئه وهو الخرف، والمعروف اليوم “بالزهايمر”، ومنه قوله صلى اللَّهُ عليه وسلم:(وأعوذ بك من أن أُرَدَّ إلى أرذل العمر) رواه البخاري في صحيحه.
النوع الثاني: العجز البشري وهو نوعان:
عجز اختياري ناشئ عن الكسل والبطر والشبع وهذا للأغنياء والأثرياء.
أو حب النوم والراحة والكسل وترك العمل والكد وطلب المعيشة وهذا للفقراء. وكلا الصنفين مذموم ومقصود بهذا الحديث.
النوع الثاني:
هو العجز الاضطراري الذي يقع فيه المرء وهو غير قادر على فعل شيء لانتفاء الأسباب المؤدية إلى فعله.
وهذا مقصود في الحديث أيضا، وكأن النبي صلى اللٍّهُ عليه وسلم يستعيذ بِرَبِّهِ جل وعلا من كل عجز عن فعل خير أو واجب وذلك بسلب اللَّهِ تعالى لأسبابه؟!
فهي استعاذة إذن، من جنس الطلب لتهيئة الأسباب المؤدية إلى نصرة الحق والخير والفضيلة واللواذ باللَّهِ تعالى من العجز عن نصرة المظلوم ونصرة الحق وأهله.
واليوم كل عاقل غيور لبيب يستشعر مرارة العجز في نصرة المظلومين المسلمين في بقاع الأرض الشاسعة في العراق أو الصين أو بورما أو سوريا أو اليمن أو في مجاهيل أفريقيا وإنا للّهِ وإنا إليه راجعون، وحسبنا اللَّهُ ونعم الوكيل……..
قوله عليه الصلاة والسلام:(وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ)
وهما صفتان من أخس الصفات وأمقتها إلى اللَّهِ تعالى ولا تليق بالمؤمن قطعا، لأن المؤمن الحق هو الذي يبذل نفسه وماله في سبيل الله تعالى.
فبذل النفس شجاعة وكرم، شجاعة: لأن الموت صعب وعسير والنفس تبغضه وتحب الحياة والخلود.
فإذا بذلها في سبيل اللَّهِ واقتحم غمار الموت فتلك هي الشجاعة الحقة.
وكذلك بذل النفس في سبيل الله قمة في الكرم:
لأن النفس أعز شيء عند الإنسان، ولذلك قال سيدنا عمر رضي اللَّهُ عنه: “إنك يا رسول اللَّهِ أحب إلي من كل شيء إلا نفسي”
واستثناؤه لنفسه مسألة معقولة من حيث إنها أغلى ما يملك الإنسان، ولكن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم دلٌه على حكم شرعي ليس متعارفاً عليه من قبل، ألا وهو أن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم يجب أن يكون أحبَّ إلى الإنسان من أعزِّ ما يملك، ألا وهي نفسه التي بين جنبيه، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعمر:(حتى نفسك يا عمر)فقال عمر: “حتى نفسي يا رسول اللَّهِ، فقال صلى اللَّهُ عليه وسلم:(الآن يا عمر)؟!انظر وتأمل.
وأما المال فقمة الشجاعة والكرم بذله في سبيل اللَّهِ تعالى، فالمال عزيز على النفس، وغالباً ما يبخل به المرء حتى على ربه، إلا الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون.
والذين يطمعون بكرم اللَّهِ أن يجزيهم خيراً مما بذلوا وأنفقوا وقدموا.
على خلاف المنافق والعياذ باللَّهِ، فهو جبان رعديد بخيل وشحيح بنفسه وماله على اللَّهِ تعالى، كما قال اللَّهُ تعالى:((أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ۖ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ۖ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ۚ أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (19)سورة الأحزاب.