من أعلام الإصلاح في العراق (14) – الشيخ عبد الوهاب النائب.. فقيه العمران –

بقلم : الدكتور مثنى حارث الضاري

هو: عبد الوهاب بن الشيخ عبد القادر بن عبد الغني بن جعيدان بن شبيب بن حمد بن علي العبيدي، قطن جده بغداد، واستقر في محلة الفاضل، وأنجب عددًا من الأولاد، توجه أحدهم (عبد القادر) لطلب العلم ودرسه على علماء بغداد، وتولى إمامة مسجد (الفضل)، حتى وفاته سنة (1303ه)، وأعقب ثلاثة من الأولاد، سلكوا طريق العلم على يده ويد غيره من العلماء، هم: محمد صالح، ومحمد سعيد وعبد الوهاب([1]). وقد برز ثلاثتهم في العلوم، وأصبح الأخيران من علماء بغداد المعروفين، وهما: الشيخ (محمد سعيد النقشبندي) والشيخ (عبد الوهاب النائب).

ولد (عبد الوهاب) في محلة (الفضل) في جانب بغداد الشرقي (الرصافة)، في الأول من محرم سنة (1269هـ-1852م)، ونشأ فيها وقرأ القرآن على “من اشتهر في المحلة المذكورة من المقرئين والمؤدبين حتى حصل على القسط الأوفى منه: دراسة وحفظًا”([2]). ثم أتم درس القرآن على والده، وأخذ عنه مبادئ العلوم الشرعية والعربية والحساب والخط، وغير ذلك مما ينبغي لطالب العلم في أول طريق الطلب. وقد أجاد خط النسخ على قاعدة (نس تعليق)، الذي كتب به معظم كتبه، فضلًا عن سجلات المحكمة الشرعية عندما كان نائبًا للقضاء الشرعي في بغداد([3])، وعُدّ من “مشاهير الخطاط في عصره”([4]).

وأكمل (النائب) تحصيله بعد ذلك على يد علماء عصره، وأخذ عن أبرزهم، فبدأ بالشيخ (عبد الوهاب بن عبد الفتاح الحجازي) المشهور بـ (مفتي البصرة)، ودرس عليه (علوم الآلة) من نحو وصرف ومنطق وبيان، في مدرسة جامع (منورة خاتون)، وتخرج على يده في هذه العلوم وغيرها، ونال منه الإجازة العلمية سنة (1872م)،وهو في العشرين من عمره، وشرع في التدريس والإفادة؛ ولم يكتف بذلك فاستزداد في العلوم النقلية والعقلية من: الشيخ (محمد فيضي الزهاوي) مفتي بغداد، والشيخ (حبيب الكروي) والشيخ (داود آل جرجيس) والشيخ (إسماعيل بن مصطفى الموصلي) والشيخ (عبد السلام الشواف) المدرس في المدرسة القادرية، والشيخ (غلام رسول الهندي) والشيخ (محمد الماراني) والشيخ (أحمد السمين) الألباني المدرس في جامع الإمام الأعظم، و(الشيخ قاسم الغواص) والشيخ (عيسى البندنيجي) والشيخ (عبد الرحمن القرداغي)، والشيخ (قاسم البياتي) والشيخ (يحيى الوتري)([5]).

ودرس عليه وتخرج على يديه عدد كبير من طلبة العلم الذين عرفوا واشتهروا بعد ذلك وكان لهم أثر. يقول تلميذه (عبد الحميد عبادة): “تخرج من هذه المدرسة علماء أعلام فمنهم الحافظ ومنهم المحرر والشاعر ومنهم الأديب، وأثرت ثقافة الشيخ النائب واهتمامه بالتراث في وجدان تلاميذهِ”([6]). ومن هؤلاء الطلبة الأعلام لاحقًا: الشيخ (عباس حلمي القصاب) والشيخ (عطا الخطيب) مفتي بغداد لاحقًا، و(عبد الحميد عبادة) و(علي بن حسين الكوتي) والشيخ (كمال الدين الطائي)، والشيخ (محمد صالح السهروردي) والشيخ (نجم الدين الواعظ)، والشاعر (معروف الرصافي) والأديب (عبد الكريم العلاف)؛ حيث درسوا عليه في (معهده) الأثير ومعقل توجيهه وإرشاده في (مدرسة جامع الفضل)([7])، فضلًا عن أخيه الشيخ (محمد سعيد النقشبندي)([8]). وخلّف -رحمه الله- ثلاثة من الأبناء العلماء والقضاة، هم: الشيخ حسين فوزي النائب، والقاضي حسن فهمي النائب، والقاضي علاء الدين النائب([9]).

يقول (هاشم الأعظمي) عن كثرة الدارسين والآخذين من (النائب): “درس عليه أكثر علماء بغداد، فهم آثاره، وإليه تنتهي إجازاتهم العلمية”([10]). واستغرب (حميد المطبعي) كثرة تلاميذ (النائب) وهو لم يزل بعد في ثلاثينات عمره؛ قائلًا: “يندر أن تجد عالمًا كالنائب في بغداد له هذه الكثرة الكاثرة من تلاميذ صاروا علماء من الدرجة الاجتهادية الأولى، ولو جمعنا الإجازات العلمية التي منحها لتلاميذه العلماء لكانت مجلدًا عنوانه (تاريخ العلم في مدرسة بغداد الفقهية)”[11].

ويرجع (عبادة) وفرة طلابه وقاصديه؛ إلى كونه ذا: “عزيمة قوية وبركة في التدريس وطول باع في التقرير والتحرير، حتى تخرج به الأفاضل من العلماء والأكارم من الأدباء، فما جاء بعده عالم تسلم المهام وتقلد مقاليد العلوم في العراق وخصوصًا مدينة بغداد؛ إلا وكان من منهله العذب قد ارتشف ومن بحر علومه قد غرف”([12]).

النائب: مدرسًا وواعظا وقاضيًا وأمينًا للفتوى

عمل (النائب) بعد انتهاء تحصيله معلمًا في مدرسة (منورة خاتون) خلفًا لشيخه (عبد الوهاب الحجازي) الذي عين قاضيًا في (الحلة)، وقد قال شيخه عند تعيينه ممتدحًا له: “لقد صادف التعيين أهله”([13]). وعمل (خطيبًا) في جامع (حسين باشا) و(واعظًا) في جامع (الفضل) أيام الجمع، وفي جامع (مرجان) في رمضان([14])، وكان يعظ أحيانًا في جامع الشيخ (عبد القادر الكيلاني) بطلب من نقيب الأشراف([15]). ثم اختير أمينًا للفتوى في (بغداد) مع المفتي الشيخ (محمد فيضي الزهاوي)([16])، وعين سنة (1886م) (نائبًا) للمحكمة الشرعية، ومكث فيها ثلاثين عامًا، حتى سنة (1916م)، وأعيد إليها بعد مضي سنة؛ لعدم وجود من يماثله كما يقول (عبادة)([17])؛ ومن هنا لحقه وصف (النائب).

واختير (النائب) سنة (1913م) عضوًا في مجلس (ولاية بغداد)([18])، وحاكمًا للصلح فيها سنة (1917م)، ثم رئيسًا لمجلس التمييز الشرعي سنة (1921م)، وتقاعد بعدها. وكان أيضًا عضوًا في (مجلس معارف بغداد)، ورئيسًا للمجلس العلمي في الأوقاف، وعند افتتاح جامعة (آل البيت) سنة (1924م)؛ انتدب مدرسًا للتفسير فيها([19]).

النائب: كاتبًا ومؤلفًا

نقل السهروردي عن (النائب) أن بعض محبيه طالبوه بالإكثار من التأليف؛ فأجابهم ببيت شعر قال فيه:

عاق تدريسي عن التأليف لكن                      لست أني متأسف

من تلاميذي ألفت كتابًا                    كل فردِ هو في العلم مؤلف

 وتوحي هذه الرواية بقلة مؤلفات النائب؛ ولكن الناظر في مجمل عطائه الكتابي يجده قد بذل جهدًا لا بأس به فيه، ولاسيما مع ما كان يقوم به من أعمال عامة ومشاغل مهمة، وهموم وتعلقات كثيرة، وتعدد مناصبه وتنوعها، وعمادها التدريس كما يظهر من البيت الذي أنشده؛ حيث إنها لا تقل عن مؤلفات غيره من علماء عصره وأقران فضله ممن لم ينشغلوا كانشغاله، أو ينصرفوا عن التأليف الكثير كما صُرف هو. وقد بلغ عددها -حسب ما أورده السهروردي- (15) عنوانًا، فضلًا عن (مجاميع أدبية ووقائع تأريخية) انتقاها من عيون الكتب. وقد ضاع أحد مؤلفاته الفقهية مع ما ضاع من كتب مكتبته في حادثة سرقة معروفة([20]).

وقد تنوعت موضوعات مؤلفاته، فمنها ما هو في التفسير وعلوم القرآن، نحو: رسالة عن (الآيات المتشابهات) ومنها ما هو في الحديث: كرسالة (شرح أربعين حديثا) وهي أربعينية في الآداب والأخلاق والحكم اختارها من كتب الحديث الستة، وفي علم الكلام: حاشية (المعارف في كشف ما غمض من المواقف)، وفي الفقه له: حاشية على كتاب (الدرر في الفقه) ورسالة في (الفرائض)، و”كتاب جمع فيه النصوص الفقهية على القول الراجح في المذهب” -كما يقول الدروبي-([21])، وفي أصول الفقه: حاشية على كتاب (جمع الجوامع)، وفي اللغة وعلومها: كتاب في شرح (ملحة الإعراب) وحاشية (في القول الأكمل في شرح المطول) لم تتم، وكان يدرسها لتلامذته([22]).

وقد ذكر بعضهم أن عددًا من مؤلفاته قد طبع، وهي: (الإلهام في تعارض علم الكلام) و(منظومة في المنطق) و(نظم متن نور الإيضاح) في الفقه الحنفي، و(ديوان الخطب المنبرية) و(مجالس الوعظ)؛ ولكن لم أجد دليلًا على ذلك في المصادر المعنيّة.

النائب: أديبًا وشاعرًا

كان النائب أديبًا يتعاطى الشعر ويكتبه على قلة، وله -كما ينقل تلميذه السهروردي- “مجلس شعر وأدب يحلل -فيه- أقوال من تقدم من الشعراء وينتقد ما کبا فيه فكر الأدباء. يأتي على مواطن الضعف منها فيستبدلها بما هو أبلغ منها. كما كان يلقي عليهم المقاطيع الشعرية والرياض النثرية ويطلب إليهم نظم المنثور منها ونثر المنظوم”([23]). ومن هنا وصفه أحد مؤرخيه بأنه: “أديب، ومنشئ، وبلاغي، ومؤرخ، ومستدل في المسألة، وشاعر، وتربوي، ومفتي”([24]).

أما تلميذه (الدروبي) فيقول عن مجالسه: “كان له مجلسان حافلان أحدهما يقيمه في جامع الفضل، والثاني في داره، يختلف إليه أعيان البلد من مختلف الطبقات، وكان يتميز مجلسه بطابع خاص يجمع بين الجد والهزل، والنقض والإبرام، وتسمع فيه الحكايات الطريفة ونوادر الشعراء والظرفاء من أهل بغداد”([25]). ومن ذلك قصة طريفة فقد أنشد حضرة العلامة عبد الوهاب أفندي النائب في بعض مجالسه ببغداد البيت الآتي ولم يكن الرصافي حاضرًا:

إن فاخرت بلدةٌ يومًا بشاعرها            فإن شاعرنا في الشرق “معروفُ”

فوصل الخبر للرصافي؛ فكتب للشيخ النائب مجيبًا:

قل لعبد الوهاب النائب العلَّا           مة الحَبْر مُنجب النجباءِ

إن أكن شاعرًا فمثلك من يُد         عى ببغداد أعلم العلماءِ

أيُّ فضل للشعر لولا علوم           قوَّمت من قناتِه العوجاء

إن بين الشعر المقول وبين الـ         ـعلم بَونًا كأرضنا والسماء

ما ادَّعى الشعر عالم قط لكن        يدَّعي العلم أشعرُ الشعراء[26]

وقد أرخ (النائب) تعمير جامع (المرادية) سنة (1903م) بعدة أبيات، خُطّت على الحجر (الكاشاني) على جامع باب (المرادية)([27]).

النائب: معمرًا ومصلحًا

الملاحظ في سيرة (النائب) نشاطه الجم وانشغاله المستمر، وعنايته بقضاء حوائج الناس وتيسير سبل عيشهم وترقيهم، وسعيه الدؤوب إلى بث روح الاستقرار ونشر مقاصد العيش الكريم الأمن، ويظهر هذا من تنوع أعماله وإصلاحاته التي لم تقتصر على مجال عمل رصفائه من العلماء؛ فسلك مسالك لم يسلكها غيره، في الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والفكرية؛ فعلى صعيد الجانبين الأولين، أقام حيًا سكنيًا كاملًا، وبث فيه ما يضمن سر حياته الاقتصادية من خانات ودكاكين وملتقيات، عندما (وطّن) عددًا كبيرًا من الناس في منطقة (خان لاوند) القريبة من (الفضل)، بعد شرائه أرضها من الحكومة؛ حيث قسّمها قطعًا وباعها بأسعار مناسبة، ومنح بعضها بدون مقابل لمن لا يستطيعون دفع قيمتها، وبنى فيها خانين ومقهيين ومحال تجارية؛ فتحولت إلى حي ناشط وفاعل تواصل به العمران في شرق بغداد بعد أن كان المكان خرابًا يخشى المار فيه على حياته.

 وعلى الصعيد التربوي؛ عرف الشيخ (النائب) بعنايته بنشر العلوم والمعارف وإنشاء المدارس([28])؛ فقد تبرع ببناء مدرسة على نفقته الخاصة في منطقة (الفضل) سنة (1889م)، وسلمها للحكومة في زمن الوالي (سري باشا)، التي جهزتها وأثثتها وعينت لها المدرسين والإداريين، وأطلقت عليها اسم (المدرسة الحميدية)، وكان أول مدير لها هو الشيخ (عبد المحسن الطائي)، والد الشيخ (كمال الدين الطائي) -رحمهما الله-. ثم شيد مدرسة أخرى بماله وجهده قريبًا من مزرعته وبيته في ضاحية (الراشدية) شمال بغداد، واختار لها الشاعر (معروف الرصافي) مدرسًا. وفي هذا يقول السهروردي: “أنشأ … مدرسة لا تقل أهمية عن مدرسة (محمد الفضل) تناسب أهل تلك الجهة وتكفل تثقيف أبنائهم… رتب فيها مدرسًا عالمًا في صناعة الأدب ومحيطًا بوقائع وأحوال العرب”([29]).

وأتبع (النائب) المدرستين السابقتين بمدرسة ثالثة في منطقة (جديدة الشط) غرب (الراشدية)، نهج فيها النهج عينه الذي نهجه في المدرسة السابقة، وهدف فيها إلى المقاصد ذاتها، بعد أن ابتاع أرضها، وبنى فيها المدرسة، وبنى معها خانًا لاستراحة المسافرين ومركزًا للشرطة، وسلمه للحكومة.

ودعم كذلك المدرسة الأهلية الثانوية (مدرسة التفيض) عند نشوء فكرتها ببغداد، وحضر أول اجتماع لترتيب أمورها وجمع التبرعات لها واختيار هيئتها الإدارية سنة (1919م)، وتابعها بعد ذلك وسند عملها، وتدخل لإعادة فتحها سنة (1921م) بعد إغلاق سلطات الاحتلال البريطانية لها([30]).

أما على الصعيد الفكري؛ فقد كان (النائب) صاحب نظر عميق وخطة بعيدة المدى لا تقتصر على تهيئة أسباب (العمران المادي)؛ وإنما تستهدف مقومات (العمران المعنوي) عن طريق إعداد رجال علم يجمعون بين علوم تراثهم المجيد وثقافة عصرهم ومتطلباته، وهكذا كان غالب طلبتهالذي خرجوا من بوتقة معهده في (جامع الفضل)، فقد نمّى فيهم خلاصة فكره وأعطاهم جذوة وعيه؛ فقل من لم يكن منهم معنيًا بالشأن العام، وقل منهم من لم يمارس مع علوم الشرع فنون الاجتماع والأدب، ويسلك مسالك العمل الوطني. ومن هنا كانت سيرة (النائب) واسعة مترامية الأطراف وغنية بالمفردات والنشاطات، ومعاناة كل ما يصلح للدين والوطن ويصلحان بهما، ومن هنا أيضًا كان تلامذته خير دليل وأحسن مثال على منهجه الإصلاحي وجهوده العمرانية: الحسي منها والمعنوي.

ومن هنا أيضًا كانت عناية تلامذته به، وتوقيرهم ومؤازرتهم له ومتابعتهم خطه ونهجه ومسيرته، وإفرادهم سيرته بالتأليف؛ فكذلك فعل (عبد الكريم العلاف) في كتابه الذي لم يُطبع (المواهب في سيرة النائب)، وكذلك فعل (عبد الحميد عبادة) في مواضع عدة من كتابه (العقد الفاخر). أما محمد صالح السهروردي فقد خصه بجزء كامل من كتابه (لب الألباب) مبررًا ذلك بالقول: “خصصت هذا الجزء بالعلامة الأستاذ شيخنا المرحوم الشيخ عبد الوهاب أفندي النائب ونظمت في سطوره ما له من فضل وأدب وعلم وعروبة وعمل خالد يذكر، وضمّنته جميع أدوار حياته… لقيامه بنشر العلوم في طبقات الأمة وتثقيفه الفهوم وإخراجه جمهرة كبيرة من العلماء وجماعة بارزة من الأدباء. بعد أن انحط هذا البلد الأمين إلى الحضيض والدرك الأسفل من الناحية العلمية والأدبية… نعم شمّر هذا العالم الكبير عن ساعد الجد فنور أرجاء هذه البلاد بما أوتيه من علم وفهم، حتى أعاد للأمة عزتها بما خلفه لها من علماء فضلاء وأدباء نبغاء”([31]).

ويقول (الرصافي) مادحًا أستاذه عند مرضه:

عَليَّ لربنا الوهاب أني                        أواصل شكرَه وأديم حَمدَهْ

وذاك إذا يعاملنا بلطف                  فيشفي (النائب) المفضال عبده

لِيرشدَنا إلى سبل المعالي                       فنقصد في ابتغاءِ المجد قصده

هو الحَبرُ الذي وجدَت مُناها                     بغاة مكارم الأخلاق عنده([32])

وهذه أبيات دالة -من مجموع ما أنشده الصافي في شيخه حيًا وميتًا- في سياق حديثنا عن (النائب) مصلحًا؛ وإن كانت في الدعاء الممزوج بالمدح؛ ولكن لا ينبغي لنا أن ندعها تأخذ طريقها هذا فنستشهد بها على فضل (النائب) دون أن نتوقف عند أهم ما يراه الرصافي في شيخه الممدوح؛ فهو يعده مرشدًا إلى سبيل المعالي، وطريقا لابتغاء المجد ومقصدًا؛ وكلا هذين الوصفين يخدمان الصورة الإصلاحية الكلية للشيخ (النائب).

وأما (جامع الفضل) الذي كان محط رِكاب طلاب العلم وقُصّاد المعرفة ومنطلق إصلاح (النائب)؛ فهو (أزهر بغداد) كما يسمّيه عبد الحميد عبادة، منبهًا على أهميته وفضله وأثره في نشر العلوم، قائلًا: “وأُسمّيه (جامع الأزهر) ولا بدع؛ لما اجتمع فيه كثير من الطلاب التحصيل العلوم مما لا تجده في سائر المدارس والجوامع. ترى اليوم في هذا الجامع ست عشرة حجرة…كانت مملوءة بالطلبة المُحصّلين المجُدّين، وطالما اشترك في الحجرة اثنان أو ثلاثة ليدرسوا العلوم على العلامة الشيخ عبد الوهاب النائب وأخيه الشيخ سعيد أفندي، وقد تخرج في هذه المدرسة الكثيرون من طلاب العلم في بغداد… لا يحصى عددهم. فكنت ترى فيهم الحافظ والمكرر، والمحرر، والمُحشّي، والشاعر، والأديب، ولو فتشت عن أسمائهم اليوم؛ تجد القاضي، والمحامي، والحاكم، والمدرس، والصحافي، إلى غير ذلك…”(([33])).

و(النائب) بعد ذلك “عميد المدرسة الفقهية العلمية في بغداد على زمانه، ومرجعية في العلوم العقلية والنقلية -حسب وصف حميد المطبعي- المعجب بطريقة تدريس (النائب)، الذي”كان يدرّس طلبة العلم على وفق طريقته الخاصة في الاجتهاد: يعطي المسألة ويطلب من التلميذ فحصها أو تدقيقها، وإذا نجح التلميذ في الفحص واستكشاف المسألة، طلب منه مرة أخرى إبداء رأيه النهائي فيها.. ليعلمه على الرأي أولًا، ويوصله إلى الحقيقة ثانيًا، حتى يسلمه مفتاح الاجتهاد ثالثًا، وكان يقول لهم: (اتركوا آلية النقل والحفظ فاجتهدوا) ولا بد أننا سنقرأ… كم هو دماغ النائب يفكر ويستدل وكم هو يزخربالتحليل والعلم الدلالي، وكم فيه اشتقاق وتبحر وغنى العقل ودفق الضمير”(([34])).

ويزيد (المطبعي) في استنباط عوامل نبوغ (النائب)، قائلًا: “أما السبب الذي جعل دماغه يعمل بعبقرية الدفق، فهو: سريع الاستجابة لسماع أي لحن يصدر عن الطبيعة والناس. إنه رزق بصفاء ذهني، مهد لحضوره الذهني، حتى أنه كان سريع الاستجابة لسماع أي لحن يصدر عن الطبيعة والناس…  وأنه كان مؤمنًا حقيقيًا في رسالته الدينية أو العلمية، والمؤمن القوي الواثق، تنشأ فيه موهبة التلقي والاستجابة بشكل متوالية جدلية صاعدة، ثم تحدث فيه الطفرة الذكائية”([35]). 

النائب: سياسيًا ووطنيًا ثائرًا 

شارك الشيخ (النائب) مع عدد من أقرانه العلماء وطلابهم ورجال العمل الوطني ومثقفي بغداد؛ في تأسيس حزب (الشورى) سنة (1908م)، بعد إعلان (الدستور) في الدولة العثمانية. وكان معه في هذا الحزب شقيقه الشيخ (محمد سعيد النقشبندي) الذي اختير رئيسًا للحزب، والشيخ (عطا الخطيب) تلميذ الشيخ النائب ومفتي بغداد لاحقًا، والفريق (كاظم باشا)، والفريق (محمد فاضل الداغستاني)، والشيخ (الحاج) نجم الدين الواعظ -رحمهم الله جميعًا-([36]). ويقول السهروردي: إن هذا الحزب أسس لمعارضة جماعة الاتحاد والترقي والقضاء على دسائسها([37]).

وفي ثورة العشرين كانت له جهوده المعلومة تبنيًا ودعمًا واسنادًا، وأثرت عنه مواقف معلومة من عقد المجالس وحث الناس على المطالبة بالاستقلال، مستنهضًا فيهم الحميّة والمشاعر الوطنية، ومبينًا الأدلة الشرعية والحجج العقلية الإقناعية على نبل هذه المقاصد وسموها. وخاطب العشائر ودعاها لواجب الجهاد، ودعمها بالمال الممكن؛ حتى عده السهروردي زعيمًا من زعماء الثورة ودعامة من دعائمها([38])، ونادت “الأمة به زعيمًا سنة (1920م) ينوب عنها في طلب استقلالها بوسط مشهد عظيم ضم عدة آلاف من أبنائها ورجالها الغيارى في جامع الحيدرخانة”([39]).

يقول المطبعي: “فلما تطايرت شرارة الثورة العراقية 1915م–1920م هب ينجد الوطن، ورحل إلى عشائره (العبيد) يوزع عليهم فتوى قتال المحتلين الإنكليز، وفتوى الجهاد حتى الخلاص.. وأصدر فتاوى أخرى لتحشيد الجهد العلمي والوطني في جبهة صيانة الحدود والثغور. وجعل بيته ديوانًا مفتوحًا لشيوخ الثورة حتى يتفقوا على الخلاص”([40]). 

النائب: راحلًا

توفي الشيخ (عبد الوهاب النائب) في (27/ذو الحجة/ 1345هـ-26/حزيران/1926م)، ودفن في جامع (الفضل) ببغداد، بعد تشييع مهيب وطويل، تعاقب فيه أهل (محلات) شرق بغداد على رفع نعشه على الأعناق، وهو يطاف به بين مساجد بغداد للصلاة عليه. وتدافعت جموع كبيرة من الناس لشهود دفنه، واعتنت الجهات الحكومية بإذاعته والمشاركة فيه، وشُكّلت لجنة خاصة لتأبينه من عدة أعضاء برئاسة (نجيب الراوي)([41])، أقامت حفل تأبين كبير بعد أربعين يومًا من وفاة (النائب)، أُلقيت فيه الكلمات ورثاه الشعراء، ومنهم: عبد الرحمن البنا، وعبد الكريم العلاف، والشيخ عبد الوهاب البدري، وعبد الستار القره غولي، والشيخ إبراهيم الراوي، ومعروف الرصافي، وغيرهم.

وقال الشاعر خضر الطائي في اليوم الثالث لعزاء (النائب) في مطلع قصيدته (دمعة ودعاء):

لقد تقوض ركن العلم وانهدما        لما تغيب عنه سيد العلما

ما كنت أحسب والأقدار جارية       أن المقادير تطوي مفردًا علمًا

كذلك الدهر لم تؤمن غوائله       طورًا يرق وطورًا يبعث الألما

قضى الذي ملأ الدنيا وأشغلها      بكل صالحة يجلي بها الحٍكما

وكان للدين والدنيا بخطته           يُعلّم الناس ماذا ينبغي لهما

مضى فأودع في شتى القلوب أسى      يستعطر الدمع من شتى الجفون دما([42])


([1]) ينظر: لب الألباب، محمد صالح السهروردي، مطبعة المعارف، بغداد، 1331-1933م: 1/10، وتأريخ جامع الإمام الأعظم، هاشم الأعظمي، مطبعة العاني، بغداد، 1385_1965م: 181.

([2]) لب الألباب، السهروردي: 1/11.

([3]) لب الألباب، السهروردي: 1/11، والبغداديون؛ أخبارهم ومجالسهم، إبراهيم الدروبي، مطبعة الرابطة، بغداد، 1958م: 268.

البغداديون، الدروبي: 286، فصل (الخطاطون في بغداد).

([4]) والبغداديون، الدروبي: 51، وتاريخ جامع الإمام الأعظم، هاشم الأعظمي: 2/279.  

([5]) ينظر: لب الألباب، السهروردي: 1/84_122، والعقد الفريد، عبادة: 250،  

([6]) العقد الفريد، عبادة: 222_223.

([7]) لب الألباب، السهروردي: 1/30، وتأريخ جامع الامام الأعظم، هاشم الأعظمي: 2/78.   

([8]) العقد اللامع، عبادة: 49.

 ([9]) البغداديون، الدروبي: 52.

([10]) تاريخ جامع الإمام الأعظم، الأعظمي: 182.

 ([11]) عبد الوهاب النائب.. وطنيُّ الروح والمعتقد، المطبعي:       http://www.narjesmag.com/news.php?action=view&id=1808              

([12]) العقد اللامع، عبادة: 52.

([13]) لب الألباب، السهروردي: 1/13.  

 ([14]) لب الألباب، السهروردي: 1/30. 

 ([15]) ينظر: لب الألباب، السهروردي: 1/31.

([16]) العقد الفريد، عبادة: 249.

([17]) العقد الفريد، عبادة: 250. 

([18]) ينظر: لب الألباب، السهروردي: 1/18.

([19]) العقد الفريد، عبادة: 250

 ([20]) ينظر: لب الألباب، السهروردي: 1/ 34_35.

([21]) البغداديون، الدروبي: 52.

([22]) ينظر: لب الألباب، السهروردي: 34_35، والبغداديون، الدروبي: 52.

([23]) لب الألباب، السهروردي: 1/12.

([24]) عبد الوهاب النائب.. وطني الروح والمعتقد، المطبعي:               http://www.narjesmag.com/news.php?action=view&id=1808    

  ([25]) البغداديون، الدروبي: 52.  

 ([26]) ديوان معروف الرصافي: 781.

 ([27]) العقد الفريد، عبادة: 141.

 ([28]) لب الألباب، السهروردي: 2/380، وتاريخ علماء بغداد، الشيخ يونس السامرائي: 701، ومدرسة أبي حنيفة، وليد الأعظمي: 79.

([29]) لب الألباب، السهروردي: 1/27.

([30]) لب الألباب، السهروردي: 2/379، وتاريخ التعليم في العراق في عهد الاحتلال البريطاني، عبد الرزاق الهلالي، مطبعة المعارف، بغداد، 1975م: 217_218، ومدرسة أبي حنيفة، وليد الأعظمي: 79. 

 ([31]) لب الألباب، السهروردي: 1/9.  

([32]) ديوان معروف الرصافي، مؤسسة هنداوي، القاهرة، 2014م: 809.  

([33]) العقد اللامع، عبادة: 222_223.

 ([34]) عبد الوهاب النائب.. وطنيُّ الروح والمعتقد، المطبعي: http://www.narjesmag.com/news.php?action=view&id=1808   

([35]) عبد الوهاب النائب.. وطنيُّ الروح والمعتقد، المطبعي: http://www.narjesmag.com/news.php?action=view&id=1808    

([36]) ينظر: لب الألباب، السهروردي: 1/56، والبغداديون اخبارهم ومجالسهم، إبراهيم الدروبي: 150.

([37]) ينظر: لب الالباب، السهروردي: 1/56.

([38]) لب الألباب، السهروردي: 1/16.  

([39]) لب الألباب، السهروردي: 1/19.

([40]) عبد الوهاب النائب.. وطنيُّ الروح والمعتقد، المطبعي: http://www.narjesmag.com/news.php?action=view&id=1808   

([41]) لب الألباب، السهروردي: 1/64.

([42]) لب الألباب، السهروردي: 1/60.

Similar Posts