أفلا يتدبرون القرآن ٠٠٠ تأملات في الآيات القرآنية ٠٠

بقلم : محمد الحسني

الحمد لله على أن بين للمستهدين معالم مراده ، ونصب لجحافل المستفتحين أعلام أمداده فأنزل القرآن قانونا عاما معصوما ، وأعجز بعجائبه فظهرت يوما فيوما ، وجعله مصدقا لما بين يديه ومهيمنا ، وما فرط فيه من شيء يعظ مسيئا ويعد محسنا ، حتى عرفه المنصفون من مؤمن وجاحد ، وشهد له الراغب والمحتار والحاسد ، فكان الحال بتصديقه أنطق من اللسان ، وبرهان العقل فيه أبصر من شاهد العيان ، وأبرز آياته في الآفاق فتبين للمؤمنين أنه الحق ، كما أنزله على أفضل رسول فبشر بأن لهم قدم صدق ، فبه أصبح الرسول الأمي سيد الحكماء المربين ، وبه شرح صدره إذ قال إنك على الحق المبين ، فلم يزل كتابه مشعا نيرا ، محفوظا من لدنه أن يترك فيكون مبدلا ومغيرا .

ثم قيض لتبيينه أصحابه الأشداء الرحماء ، وأبان أسراره من بعدهم في الأمة من العلماء ، فصلاة الله وسلامه على رسوله وآله الطاهرين ، وعلى أصحابه نجوم الاقتداء للسائرين والماخرين ٠ ( مقدمة تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور )

قال تعالى ( وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) الزمر 75

السؤال : من هو الذي سيرى ؟ وهل الرؤية بصرية أم قلبية ؟ ثم لماذا الملائكة تسبح وقد انتهى وقت التكليف بقيام الساعة ؟ والضمير في قوله تعالى( وقضي بينهم ) لمن يعود ؟ والاقرب اليه هم الملائكة فهل سيكون هناك قضاء من الله تعالى بين الملائكة رغم أنهم ليسوا مكلفين مثلنا الانس والجن ؟ ( وقيل الحمد لله رب العالمين ) من الذي قال ؟ في نهاية المشهد الذي صوره لنا الله تعالى في ابلغ العبارات ؟

إليك ما قاله أهل التفسير ::

جاء في تفسير الألوسي :: ( والخِطابُ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ مَن تَصِحُّ مِنهُ الرُّؤْيَةُ كَأنَّهُ قِيلَ: وتَرى أيُّها الرّائِي المَلائِكَةَ حافِّينَ ﴿مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ أيْ حَوْلَ العَرْشِ عَلى أنَّ ( مِنَ ) مَزِيدَةٌ عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ وهو الأظْهَرُ، وقِيلَ: هي لِلِابْتِداءِ – فَحَوْلَ العَرْشِ – مُبْتَدَأُ الحُفُوفِ وكَأنَّ الحُفُوفَ حِينَئِذٍ لِلْخَلْقِ، وفي بَعْضِ الآثارِ ما هو ناطِقٌ بِذَلِكَ، وفِيها ما يَدُلُّ عَلى أنَّ العَرْشَ يَوْمَ فَصْلِ القَضاءِ يَكُونُ في الأرْضِ حَيْثُ يَشاءُ اللَّهُ تَعالى والأرْضُ يَوْمَئِذٍ غَيْرُ هَذِهِ الأرْضِ، عَلى أنَّ أحوالَ يَوْمِ القِيامَةِ وشُؤُونَ اللَّهِ تَعالى وراءَ عُقُولِنا وسُبْحانَ مَن لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ ) ( تفسير روح المعاني / للألوسي )

بينما جعل جل أهل التفسير ان الرؤية هنا خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم وأنها رؤيا بصرية باعتبار أن الملائكة مفعول للفعل ترى وحافين في موضع الحال واسمع إلى قول ابن عاشور : ( والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ فَيَكُونُ إيذانًا بِأنَّها رُؤْيَةُ دُنُوٍّ مِنَ العَرْشِ ومَلائِكَتِهِ وذَلِكَ تَكْرِيمٌ لَهُ بِأنْ يَكُونَ قَدْ حَواهُ مَوْكِبُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ حَوْلَ العَرْشِ) ( التحرير والتنوير لابن عاشور )

وقد إشارة البقاعي في نظم الدرر في قوله تعالى ( حافين من حول العرش ) إلى لطيفة رأيت انه لابد من ذكرها في هذا المقام حيث يقول :: ( ولَمّا كانَ عِظَمُ الشَّيْءِ مِن عِظَمِ صاحِبِهِ؛ وكانَ لا يُحِيطُ بِعَظَمَةِ العَرْشِ حَقَّ الإحاطَةِ إلّا اللَّهُ (تَعالى)؛ أشارَ إلى ذَلِكَ بِإدْخالِ الجارِّ؛ فَقالَ: ﴿مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾؛ أيْ: المَوْضِعِ الَّذِي يُدارُ فِيهِ بِهِ؛ ويُحاطُ بِهِ مِنهُ؛ مِن ”الحَوْلُ“؛ وهو الإحاطَةُ؛ والِانْعِطافُ؛ والإدارَةُ؛ مُحْدِقِينَ بِبَعْضِ أحِفَّتِهِ؛ أيْ: جَوانِبِهِ الَّتِي يُمْكِنُ الحُفُوفُ بِها؛ بِالقُرْبِ مِنها؛ يُسْمَعُ لِحُفُوفِهِمْ صَوْتٌ بِالتَّسْبِيحِ؛ والتَّحْمِيدِ؛ والتَّقْدِيسِ؛ والِاهْتِزازِ خَوْفًا مِن رَبِّهِمْ؛ فَإدْخالُ ”مِن“؛ يُفْهِمُ أنَّهم – مَعَ كَثْرَتِهِمْ إلى حَدٍّ لا يُحْصِيهِ إلّا اللَّهُ – لا يَمْلَؤُونَ ما حَوْلَهُ؛ حالَ كَوْنِهِمْ؛ ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ﴾؛ وصَرَفَ القَوْلَ إلى وصْفِ الإحْسانِ؛ مَدْحًا لَهم بِالتَّشْمِيرِ؛ لِشُكْرِ المُنْعِمِ؛ وتَدْرِيبًا لِغَيْرِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿رَبِّهِمْ﴾؛ أيْ: يُبالِغُونَ في التَّنْزِيهِ عَنِ النَّقْصِ؛ بِأنْ يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّهُ مُحْتاجٌ إلى عَرْشٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ وأنْ يَحْوِيَهُ مَكانٌ؛ مُتَلَبِّسِينَ بِإثْباتِ الكَمالِ لِلْمُحْسِنِ إلَيْهِمْ؛ بِإلْزامِهِمْ بِالعِبادَةِ؛ مِن غَيْرِ شاغِلٍ يَشْغَلُهُمْ؛ ولا مُنازِعٍ مِن شَهْوَةٍ؛ أوْ حَظٍّ يُغْفِلُهُمْ؛ تَلَذُّذًا بِذِكْرِهِ؛ وتَشَرُّفًا بِتَقْدِيسِهِ؛ ولِأنَّ حَقَّهُ إظْهارُ تَعْظِيمِهِ عَلى الدَّوامِ؛ كَما أنَّهُ مُتَّصِلُ الإنْعامِ.) ( نظم الدرر في تناسب الآيات والسور / برهان الدين البقاعي )

واما قوله تعالى ( يسبحون بحمد ربهم ) قال النسفي في تفسيره :: ( أيْ: يَقُولُونَ: “سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ”، أوْ: “سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ المَلائِكَةِ والرُوحِ”، وذَلِكَ لِلتَّلَذُّذِ، دُونَ التَعَبُّدِ، لِزَوالِ التَكْلِيفِ ) وزاد الألوسي بقوله ( وهَذا الذِّكْرُ إمّا مِن بابِ التَّلَذُّذِ فَإنَّ ذِكْرَ المَحْبُوبِ مِن أعْظَمِ لَذائِذِ المُحِبِّ كَما قِيلَ:

أجِدُ المَلامَةَ في هَواكَ لَذِيذَةً حُبًّا لِذِكْرِكَ فَلْيَلُمْنِي اَللُّوَّمُ

أوْ مِن بابِ الِامْتِثالِ ويَدَّعِي أنَّهم مُكَلَّفُونَ، ولا يُسَلَّمُ أنَّهم خارِجُونَ عَنْ خُطَّةِ التَّكْلِيفِ أوْ يَخْرُجُونَ عَنْها يَوْمَ القِيامَةِ، نَعَمْ لا يَرَوْنَ ذَلِكَ كُلْفَةً وإنْ أُمِرُوا بِهِ) انتهى

والتفت الزمخشري إلى الضمير في قوله تعالى ( وقضي بينهم ) فتراه يقول :: فإن قلت: إلام يرجع الضمير في قوله بَيْنَهُمْ؟ قلت: يجوز أن يرجع إلى العباد كلهم، وأن إدخال بعضهم النار وبعضهم الجنة لا يكون إلا قضاء بينهم بالحق والعدل، وأن يرجع إلى الملائكة، على أن ثوابهم- وإن كانوا معصومين جميعا- لا يكون على سنن واحد، ولكن يفاضل بين مراتبهم على حسب تفاضلهم في أعمالهم، فهو القضاء بينهم بالحق ( الكشاف للزمخشري )

ومثله مع بعض زيادة قال الشوكاني ( أيْ: بَيْنَ العِبادِ بِإدْخالِ بَعْضِهِمُ الجَنَّةَ وبَعْضِهِمُ النّارَ، وقِيلَ: بَيْنَ النَّبِيِّينَ الَّذِينَ جِيءَ بِهِمْ مَعَ الشُّهَداءِ وبَيْنَ أُمَمِهِمْ بِالحَقِّ، وقِيلَ: بَيْنَ المَلائِكَةِ بِإقامَتِهِمْ في مَنازِلِهِمْ عَلى حَسَبِ دَرَجاتِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى ) ( فتح القدير للشوكاني )

وعن استفهامنا الأخير يقول صاحب الكشاف ::

( فإن قلت: قوله وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ من القائل ذلك؟ قلت: المقضى بينهم إما جميع العباد وإما الملائكة، كأنه قيل: وقضى بينهم بالحق، وقالوا الحمد لله على قضائه بيننا بالحق، وإنزال كل منا منزلته التي هي حقه ) (الكشاف للزمخشري) ٠

وعلى عكس الزمخشري باختصاره فقد افاض الرازي بقوله : ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيِ المَلائِكَةُ لَمّا قُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ قالُوا: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ عَلى قَضائِهِ بَيْنَنا بِالحَقِّ، وهاهُنا دَقِيقَةٌ أعْلى مِمّا سَبَقَ وهي أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قَضى بَيْنَهم بِالحَقِّ، فَهم ما حَمِدُوهُ لِأجْلِ ذَلِكَ القَضاءِ، بَلْ حَمِدُوهُ بِصِفَتِهِ الواجِبَةِ وهي كَوْنُهُ رَبًّا لِلْعالَمِينَ، فَإنَّ مَن حَمِدَ المُنْعِمَ لِأجْلِ أنَّ إنْعامَهُ وصَلَ إلَيْهِ فَهو في الحَقِيقَةِ ما حَمِدَ المُنْعِمَ وإنَّما حَمِدَ الإنْعامَ، وأمّا مَن حَمِدَ المُنْعِمَ لا لِأنَّهُ وصَلَ إلَيْهِ النِّعْمَةَ فَهاهُنا قَدْ وصَلَ إلى لُجَّةِ بَحْرِ لتَّوْحِيدِ، هَذا إذا قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ شَرْحُ أحوالِ المَلائِكَةِ في الثَّوابِ، أمّا إذا قُلْنا: إنَّهُ مِن بَقِيَّةِ شَرْحِ ثَوابِ المُؤْمِنِينَ، فَتَقْرِيرُهُ أنْ يُقالَ: إنَّ المُتَّقِينَ لَمّا قالُوا: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ فَقَدْ ظَهَرَ مِنهم أنَّهم في الجَنَّةِ اشْتَغَلُوا بِحَمْدِ اللَّهِ وبِذِكْرِهِ بِالمَدْحِ والثَّناءِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ كَما أنَّ حِرفَةَ المُتَّقِينَ في الجَنَّةِ الِاشْتِغالُ بِهَذا التَّحمِيدِ والتَّمْجِيدِ، فَكَذَلِكَ حِرفَةُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم حافُّونَ حَوْلَ العَرْشِ الِاشْتِغالُ بِالتَّحْمِيدِ والتَّسْبِيحِ، ثُمَّ إنَّ جَوانِبَ العَرْشِ مُلاصِقَةٌ لِجَوانِبِ الجَنَّةِ، وحِينَئِذٍ يَظْهَرُ مِنهُ أنَّ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ وأنَّ المَلائِكَةَ المُقَرَّبِينَ يَصِيرُونَ مُتَوافِقِينَ عَلى الِاسْتِغْراقِ في تَحْمِيدِ اللَّهِ وتَسْبِيحِهِ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَزِيدِ التِذاذِهِمْ بِذَلِكَ التَّسْبِيحِ والتَّحمِيدِ ٠( التفسير الكبير للرازي ) ٠٠

يقول الدكتور علي الصلابي ::

لن تسعنا المجلدات ولا الكتب للحديث عن فضل القرآن الكريم وعظمة نزوله على الناس وأثره في نفوسهم، والقرآن الكريم لا يأتيه الباطل بين يديه ولا من خلفه؛ هو الكتاب الحق الذي جعله الله سبحانه وتعالى معجزة لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

وإن أول كلمة أنزلت فيه “اقرأ”؛ وهي أول كلمة أنزلت عن طريق جبريل عليه السلام في غار حراء، فأصبح الكلام معجزاً، ولو أنزل الله عز وجل هذا القرآن على غير البشر، أيّ لو أنزله على الجبل لخشع الجبل من خشية الله عز وجل، والقرآن الكريم كلام الله تَكلم به بالحقيقة على الوجه الذي يليق بجلاله وعظمته، ولم يُنزل الله من السماء أعظم ولا أجل من القرآن، وقد أخبر الله تعالى أن القرآن كما هو مُعَظَّمٌ بالأرض فهو مُعَظَّمٌ في السماء لا يمسه إلا المطهرون، ولا يحتفي به إلا الملائكة الأطهار الأبرار ٠٠

اللهم اجعلنا من اهل القرآن أهل الله وخاصته ٠٠ و الحمد لله رب العالمين ٠

Similar Posts