القُرْبَة في تبيان معنى العُصْبة

الشيخ عبد المنعم البدراني

قوله تعالى في سورة يوسف على لسان اخوته:((إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (8)َ

وقوله تعالى على لسانهم أيضاً في سورة يوسف :((قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ (14).

والعُصْبَةٌ هي الجماعة من الناس يَعتَصِبُ بعضُهم ببعض فيُشَكِّلون قوةً يعضدُ بعضهم بعضا في الحقِّ أو الباطل.

ومنه الِعصابةُ وهي ما يربِطُ المرء بها رأسه يتقوّى بها على وجعِ رأسِه

ومنه قوله تعالى في سورة النور:((إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)

وهذا الاعتصاب من جنس التعاون على الفحشاء والمنكر بشأن حادثة الإفك حول الصِدَّيقَةِ بنتِ الصِدِّيق عائشةَ أمِّ المؤمنين الطاهرةِ المُبرَّأَةِ من فوقِ سبع سماوات.

ومنه الِعصابةُ من الرجال يُشَكِّلونَ جماعة للقتل أو السلب أو النهب أو قطع الطريق على السابلة

وقد تجتمع العصابةُ على الحق ونصرة المظلوم والجهاد في سبيل اللَّهِ تعالى ومنه قوله صلى اللَّهُ عليه وسلم كما في صحيح مسلم:( لن يبرح هذا الدينُ قائما تقاتل عليه عصابةٌ من المسلمين حتى تقوم الساعة)

وهو لفظٌ آخرُ لحديث الطائفة المنصورة

ومنه العَصَبَة وهم قرابة الرجل الذين يتعصبون له وينصرونه.

والعَصَبةُ في علم الفرائض من ليست له فريضة مُسَمَّاةٌ في الميراث، وإِنَّما يأْخذ ما أَبقى ذوو الفُروض.

ومنه التَّعَصُّبُ ويكون للرجل أو العالِم أو القبيلة أو الحزب أو الجماعة في الحق والباطل فيكون مذموماً إذا كان في الباطل، ومحموداً إذا كان في الحق.

فائدة

قوله تعالى في سورة النجم:((وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ (43)

فالمضحِكُ والمُبكي لخلقه جَلَّ وعلا هو اللَّهُ تعالى

وهذا الاضحاك ُ والإبكاءُ له أحوال:

الأول :أن يُضحِكَ اللَّهُ تعالى خلقه بالمسرّاتِ والمناسبات السعيدة كالزواج والنجاح والنِّعَم وان يُبكِيَهم بالمصائب والكروب والمِحَن.

الثاني:أن يُضحِكَ اللَّهُ تعالى الكفارَ على المؤمنين في الدنيا استهزاءً من الكفار بهم واستخفافاً بالمؤمنين، ويُبكي المؤمنين بسبب هذا الاستهزاء والاستخفاف وهو نوع ابتلاءٍ مزدوجٍ للكفار ليزيدهم طغياناَ وكفراً بذلك الاستهزاء والاستخفاف بالمؤمنين.

وهو في الوقت نفسه ابتلاء للمؤمنين ليرى من يصبر منهم على هذا الأذى النفسي ويحتسبه عند الله، ومن سوف ينقلب على عقبيه ويرتدُّ عن دينه وذلك لضعف يقينه وإيمانه .

ومنه قوله تعالى :((إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ﴿٢٩ المطففين﴾

ومنه قوله تعالى في سورة المؤمنون :((إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110)

الثالث:أن يُضحِكَ اللَّهُ تعالى المؤمنين على الكفار يوم القيامة ويُبكي الكفار والمشركين والمنافقين ومنه قوله تعالى في سورة المطففين:((فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ(34))

ومنه قوله تعالى في وصف بكاء الكفار والمشركين والمنافقين غدا يوم القيامة :((فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿٨٢ التوبة

الرابع:هو إضحاك اللَّهِ تعالى للمؤمنين في الجنة والرضوان.

ومنه قوله تعالى في وصف ضحك المؤمنين وفرحهم وحُبورهم برضوانه وجنته كما في سورة عبس:((وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39)

فنسأل اللَّهَ تعالى أن يجعلنا من السعداء المرضيين عنده بكرمه وجوده وإحسانه في الدنيا والآخرة.

Similar Posts