(اذهب ازرع) المَعين في رد يحيى بن معين
د. محمد الحاج عيسى
يعنى دع عنك الكلام في العلم واشتغل بالزراعة يكون خيرا لك وأنفع، وهذه الكلمة قالها إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين في حق أحد رواه الحديث الذي لم يكن يحسن إلا الرواية ولكنه تدخل فيما لا يعنيه وخاض فيما لا يفهمه، وصار يتكلم في جرح الرواة وتعديلهم، بل وصار حسب كلام ابن معين يقحم نفسه في كل علم.
هذا الراوي اسمه إبراهيم بن محمد ابن عرعرة، وحتى لا نبخسه حقه ننقل رأي ابن معين فيه برمته حيث إنه لم ينقم عليه شيئا فيما يحسن وهو رواية الحديث وإنما نقم عليه تدخله فيما لا يعنيه وكلامه في كل شيء كما ذكرنا، حيث قال فيه ابن معين: «ثقة معروف بالحديث كان يحيى بن سعيد يكرمه، مشهور بالطلب، كيس الكتاب، ولكنه يُفسد يَدخل في كل شيء» كذا في تاريخ بغداد (6/ 149-150).
ثم إن ابن معين كانت تنقل إليه أقواله في الرجال الذي هو تخصصه فيتبرم من ذلك، فنقل إليه مرة أنه يوثق بعض الضعفاء فرد عليه بقوة وقال: “ضعيف ضعيف”، ونقل إليه مرة أخرى أنه ضعف ثقة، قال ابن الجنيد: (فغضب وقال:”هو ثقة” وقال تكلم بكلام) ولم ينقل ابن الجنيد ذلك الكلام فلعله كان كلاما شديدا، (انظر السؤالات رقم706 ).
والظاهر أن الرجل تمادى وظن نفسه أنه فعلا من رجال الفن فصار يتفنن في عبارات الجرح بل ويجرح بالجملة، فنقل لابن معين أنه يضعف الحسين بن ذكوان ومحمد بن ذكوان وأنهما ليسا بشيء، وهذه العبارة تعد من أشد عبارات الجرح، وقد قالها نبينا صلى الله عليه وسلم في الكهان، واشتهر استعمالها في المتهمين والضعفاء جدا، فلما سمع ابن معين ذلك غضب وبين للناقل أن الراويين لا بأس بهما ثم وجه رسالة لابن عرعرة مع هذا الناقل وقال له: (قل لابن عرعرة: اذهب ازرع) (سؤالات ابن الجنيد :645).
هذا ما يقال لبعض من لا يستحي فينصب نفسه للفتوى لمجرد أنه وجد من يسأله أو وجد منشورا علميا أمكنه أن يعلق عليه، وكذا بعض من يجيب على أسئلة شرعية بأجوبة صبيانية تدل على قلة العقل وقلة الحياء، ويظن تلك الدال التي يضعها أمام اسمه تجعل كل ما يلفظ به من سفه علما وحكمة .. وهذا ما يقال لكل من لم يعرف قدره ولم يفهم إن قيمة المرء ما يحسن.
فائدة
يقول الله تعالى في محكم التنزيل {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183)} -الأعراف-
1- ما الاستدراج ؟ الجواب: هو مكر من الله تعالى بالعباد المضيعين لحقوقه العاصين لأمره المكذبين لآياته.
2- وما علامته ؟ الجواب: علامته أن يسبغ الرب سبحانه عليهم النعم الظاهرة ويديمها، ويمنعهم من شكرها ولا يوفقهم لذلك.
3- وما الإملاء ؟ الجواب: ” هو التأخير للعقوبة والامهال واطالة مدة عصيانهم حتى تتكامل حجج الله عليهم ويتضاعف عصيانهم وتمردهم ثم يأتيهم العقاب بغتة بقبضهم إليه أو بتسليط عقوبات الدنيا عليهم قبل الآخرة.
4- وما كيده وما معنى متانته ؟ الجواب: أن كيده هو عذابه الملحق بالمتمردين المنكرين لنعمه سمي كيدا ومكرا لانخذاع من يلحقه بإمداد الله وامهاله .
ومتانة كيده هي قوته وشدته حيث لا حيلة معه ولا انفلات منه، والله تعالى عزيز جبار قهار. لا راد لقضائه ولا مبدل لحكمه.
*يخطئ بعضنا في حق نفسه وغيره أو حق ربه ودينه، وبدل التوبة يحاول إقناع نفسه بأن كل فعله صواب، ويغفل أنه إذا لقي رب الأرباب ارتفع الحجاب.