ذاكرة الإنكشاف الكبير

” المقاطعة: سلاح فتاك بدون ترخيص “

بقلم : الخضر الشيباني *

هل حدثتك نفسك أن تحمل السلاح الناري لنجدة أهل غزة والدفاع عنهم، ولم تستطع ذلك بسبب الحصار الصهيوني وقبله الحصار العربي ؟!

توقف قليلا وتأمل:

أيها الغيور أيتها الغيورة: هناك سلاح آخر سهل التناول سريع التأثير ولا يحتاج استخدامه أي ترخيص.

إنه قرار يتخذه عقلك وقلبك مصحوبا بنية صالحة تحتسب هذا القرار قربة لله عز وجل وتعظيما لدينه وشعائره ونصرة أوليائه الصادقين في اصقاع الأرض.

اتخذ قرارك وأعلن موقفك الذي تطهر به قلبك من النفاق وتجعل مشترياتك أكثر بركة بحصول رضا الله فيها وتكون في خندق المناصرين لأهل الحق.

إننا لا ندعوك إلى الكراهية للناس والشعوب كما يفعل العنصريون فديننا يدعونا للتعارف مع سائر الناس وحب الهداية لهم قال تعالى:

( يا أيها الناس إنا جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ) الحجرات : 13

بل ندعوك للدفاع عن حقك وحق أهلك وإخوانك من أهل الاسلام في الحياة حياة حرة وكريمة في دينهم ومعاشهم.

إنها حرب دفاعية مشروعة:

تعلنها ضد الظلم بجميع صوره وأنواعه.

وتعلنها ضد من يقتل ويدمر ويستبيح أخوك وأختك المسلمين ظلما وعدوانا في كل مكان.

وعلى من يسخر ويسب ويشتم دينك ورسولك الكريم صلى الله عليه وسلم.

وعلى من يستهزئ بالإسلام وشعائره وحجاب المسلمات وأصوات وتكبيرات المآذن.

وعلى من يستنزف موارد البلاد المسلمة ليعيش هو في حياة الرفاهية ويعيش أصحاب الحق في الضنك والمعاناة والفقر والمرض.

إنها سهام المقاطعة الاقتصادية التي تصيب الأعداء بالجلطات والنوبات والذبحات الصدرية وأنت مستمر في جدولك المعتاد.

ربما لم تتعود الكثير من الأسماع في عالمنا العربي على مصطلح الحرب الاقتصادية إلا من خلال نشرات الأخبار عند الحديث عن التنافس الصيني الأمريكي أو الروسي الغربي أو مشاريع الهيمنة الاقتصادية في أفريقيا للشركات متعددة الجنسيات على حساب حقوق السكان الأصليين.

لكن الحقيقة المشهودة:

إن الحرب الاقتصادية هي النسخة الأكثر انتشارا في الحروب المعاصرة كما يقول أهل السياسة والعسكرية.

وفي كل مرة يتجدد العدوان على ديننا وقيمنا وشعائرنا ورموزنا تخرج الجموع المسلمة في كل المعمورة والمتعاطفين معها كالسيل الهادر معلنة الإنكار والإدانة بكل ما تملك من عبارات ورسوم ومقاطع صوتية ومرئية.

وهذه الأفعال من حيث الرؤية الشرعية _عندما تصدر من مسلم بنية صادقة وسلوك منضبط فهي:

غيرة على حرمات الله ودينه.

وهي أضعف الإيمان وأقل الواجب.

وهي من درجة الإنكار بالقول بعد الانكار بالفعل الذي يكون غالبا عند أهل الحكم والسلطة والقدرة.

وتأتي المقاطعة في هذا السياق لتكون تعبيرا عمليا عما يجيش في نفوس هذه الجموع من المحبة والنصرة والولاء لإخوانهم في الدين.

إن المقاطعة لمنتجات البلد الذي حصل منه الاعتداء أو شارك فيه أو دعمه يعد رسالة ودرسا بليغا في الأخلاق والحقوق يصل إلى أولئك الذين ” يقتلون القتيل ويمشون في جنازته ” كما في المثل العربي الشعبي خاصة أولئك الذين صدعوا رؤوسنا بأنهم مصدري الورود _ وهم على الدبابات _ ودعاة الحرية وحقوق الطفل والمرأة في العالم فهم شركاء في الجريمة بمجرد الدعم بالتصريحات فما بالك إذا كانوا مؤيدين داعمين مدافعين بالمال والسلاح وربما بالجند والعتاد كما يحصل في بعض القضايا وآخرها هذه الأيام قضية الحرب الصهيونية ضد أهلنا في غزة بعد تاريخ 7 / أكتوبر / 2023 م.

والتي تنادت فيها دول مثل الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وفرنسا بكل وقاحة وسفور للوقوف مع الجلاد ضد الضحية ومع المحتل ضد صاحب الأرض وصاحب الحق.

ولم تبدأ هذه القوى المستكبرة على الحق في التراجع الظاهري إلا بعد أن رأت غضب العالم عليها ومنها.

إن منهج المقاطعة لمنتجات الأعداء قد أثبت فعاليته وتأثيره العميق في الاطراف المعتدية لكونه يمس اقتصادهم المتعلق بحياتهم اليومية وهو منبع قوتهم السياسية والعسكرية.

وهو يمس كذلك مصادر التمويل لهذه الكيانات العنصرية التي تستهدف الاسلام والمسلمين في الأرض عمدا وقصدا.

ولكي نجعله أكثر تأثيرا في المعتدي لابد من استخدام هذ السلاح من خلال ثلاث زوايا:

الزاوية الأولى: المنطلق الشرعي وليس العصبية.

المقاطعة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأنت تعلن بهذا التصرف رفضك للاعتداء على عقيدتك وشعائر دينك ورموزه وتعلن رفضك وإدانتك لكل من يعتدي على حقوق وحرمات إخوانك وأعراضهم في كل أرض وتحت كل سماء إيمانا بقول الله عز وجل :

( إنما المؤمنون إخوة ) الحجرات :

وقوله جل وعلا:

( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويأتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ) التوبة : 71 .

ومن مقتضيات هذا الإيمان ما أخبر عنه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم :

( المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ويرد عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم ولا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده ) أخرجه أبوداود وابن ماجه وحسنه ابن حجر وغيره .

وقال صلى الله عليه وسلم:

( ما من أمرئ يخذل امرءًا مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته وما من أحد ينصر مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته ) رواه أحمد وأبودود وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ( 5690 ) .

وقال صلى الله عليه وسلم:

( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة ) رواه البخاري ( 2310 ) ومسلم ( 2580 ) .

ومعنى:

لا يسلمه ، كما قال العلامة ابن حجر _ رحمه الله :

” أي لا يلقيه إلى الهلكة ولا بتركه عند من يؤذيه بل ينصره ويدفع عنه ” فتح الباري 5 / 97 .

وبعد هذه النصوص:

فلا يأتي غافل أو جاهل أو متجاهل ليقدم هذه الوسيلة بصورة دعوات حزبية أو عصبيات عنصرية أو تنافس بين شركات أو ابتزاز لمواقف سياسية وغيرها لأن هذه الصور والدعوات تفقد المقاطعة جوهرها الديني ومشروعيتها المنطقية.

الزاوية الثانية:

المقاطعة فعل مدروس وليست عاطفة لحظية.

فالمقاطعة وسيلة فتاكة وضاغطة لو استطعنا استخدامها بشكل مدروس ومتدرج فلا ينبغي جعلها ردة فعل عاطفية مثل فورة اللبن الذي يغلي فوق النار فيعلو في لحظة وسرعان ما يهبط ويتلاشى.

بل ينبغي الاستمرار والحشد والتحفيز حتى تتحقق الأهداف بشكل كامل وعادل حتى لو استغرق الأمر سنوات بل عشرات السنين.

إننا في العالم العربي _ وللأسف الشديد _ الحلقة الأضعف في منظومة الاقتصاد العالمي بسبب غرقنا في الاستهلاك على حساب الانتاج .

لكننا يمكن أن نتحول إلى الحلقة الأكثر تأثيرا في حال توظيف هذا السلوك الاستهلاكي لخدمة قضايانا ومصالحنا التي تتقاطع مع مصالح العالم .

ويمكن أن نتحول إلى كابوس يقض مضاجع الاعداء وبخاصة رجال الاقتصاد الذين هم الداعم الأساسي للسياسة والسياسيين في الشرق والغرب .

وليس سرا أن أحد أداور الدول في علاقاتها الخارجية هو حماية شركاتها واستثمارات ابناء وطنها في خارج بلادهم ويسخر لذلك جميع مقدرات البلاد حتى ولو استدعى ذلك التدخل العسكري واعلان الحروب.

وها هو الغرب يصول ويجول في عالمنا العربي والاسلامي بأساطيله وجنوده حماية لمصالح شركاته العابرة للدول والقارات ولا يهمه كم يقتل ويتشرد في نفس المناطق التي يتحرك فيها إن لم يكن شريكا رئيسا في تلك الجرائم.

ولذلك فإن هذه الدول ستفكر ألف مرة قبل أن تتخذ قرارات تستفز مشاعر المسلمين أو تسمح بفعل ذلك من قبل مواطنيها إذا رأت استخداما حكيما لهذه الوسيلة وغيرها من وسائل الضغط الفاعلة.

وهذا حق أصيل في العلاقات الدولية لا ينبغي التفريط به بأي حال من الأحوال.

الزاوية الثالثة:

إعلان المقاطعة دون توفير البدائل المنافسة والجيدة يضعف التفاعل مع المقاطعة.

صحيح قول من يقول هنا:

إن المقاطع ينبغي أن يضحي برفاهيته لكن من الصعوبة بمكان أن نطالبه بالتضحية بصحته وصحة من يعولهم عندما يتعلق الأمر بالغذاء أو الدواء أو النظافة فهذه الأمور ضرورية لا يقبل التلاعب فيها لكن عندما يتوفر البديل العربي والاسلامي المنافس تكون الحجة قائمة والمبررات مردود عليها.

ولهذا فإن هذا المسار لن يتم نجاحه بشكل كبير ومطرد بدون تأييد رجال السياسة والاعمال الصادقين من خلال توفير البدائل وفتح خطوط جديدة للاستثمار والصناعة وجعل ذلك سياسة إنقاذ دائمة تدعمه الدول وتسهله في أوقات المقاطعة أو خارجها.

مع ملاحظة أن البديل لا يلزم أن يكون محليا المهم أنه ليس شريكا في الاعتداء وكلما كان من دول أقرب إلينا دينا وأخلاقا فهو الأولى والأفضل.

هذا ما تيسر تسطيره والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

اللهم ألهمنا ما ننصر به دينك وأوليائك في كل مكان إنك ولي ذلك والقادر عليه .

* كاتب وباحث يمني _ مدير عام مركز الكلمة الطيبة للبحوث (صنعاء سابقا)

Similar Posts