|

وقفة تفكُّر في وصايا حديث (يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا)

الشيخ عبد المنعم البدراني

روى الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي بردة رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن، قال: وبعث كل واحد منهما على مخلاف، قال: واليمن مخلافان، ثم قال: “يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا! وتطاوعا ولا تختلفا”

وفي الحديث جملة من المسائل

الأولى: معنى المخلاف هو تقسيم إداري يمني قديم وكان فيها مخلافان اي مقسمة الى وحدتين إداريتين، أَمَّرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذاً على مخلاف، وأَمَّرَ أبا موسى على المخلاف الآخر، وكانا متحاذييْن ومتجاوريْن فأوصاهما بجملة من الوصايا

الثانية: قوله صلى الله عليه وسلم :(يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا) أي في أمر قد وسَّع اللَّهُ ورسوله فيه، فلا يجوز التضييق في موضع قد يَسَّرَ اللَّهُ تعالى فيه ورسوله، كما أنه لا يجوز التوسعة فيما ضيَّقَ اللَّهُ ورسوله فيه.

فالتيسير المأمور به في أمر يحتمل اليسر، ولذلك كان من هدي النبي صلى اللَّهُ تعالى عليه وسلم:” أنه ما خُيِّرَ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما” رواه البخاري ومسلم.

وقول أم المؤمنين عائشة: “ما لم يكن إثما” هو قيد شرعي مهم جداً في تقييد الاختيار بين الأمور، فلا يُجنَحُ الى اليسير من الأمرين إلا به، فليس التخيير مطلقاً بين الأمور والمسائل إلا إذا خلا الأمر الذي يُختار من الإثم والمخالفة الشرعية لما حكم اللَّهُ تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.

الثالثة: قوله صلى الله عليه وسلم :(وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا”) أي كونا سبباً في إقبال الناس إلى الإسلام، وذلك بالبشارة والكلمة الطيبة واللين ورقة الطبع والمعاملة الحسنة وبشاشة الوجه وحسن المُحيّا.

الرابعة: قوله صلى اللَّهُ عليه وسلم :(وتطاوعا ولا تختلفا)

وفيه نصيحة غالية ومهمة لأن معاذاً وأبا موسى كلاهما أمير، ولذلك قال النبي صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ::(وتطاوعا) ولم يقلْ:”ولْيُطعْ أحدكما الآخر”، إنما قال:(وتطاوعا) والتطاوع على وزن التفاعُل وهو مبني على التشارك والتشاور.

انظر وتأمل يرحمك الله.

وفي هذا الحديث إشارة مهمة جداً، ألا وهي أن الأقران يتطاوعون ويتشاركون ويتشاورون ولا ينفرد أحدهم عن الآخرين، ومن باب أولى ألا يتحرى أحدهما مخالفة الآخر، إنما يتكاملون فيما بينهم على أساس المشورة والتعاون على البِرِّ والتقوى، والتناهي عن الفحشاء والمنكر.

ومن هنا أوجه رسالتي إلى علمائنا الكبار أن يتواصلوا ويتشاوروا ويتكاملوا ويتعاونوا في أمر الفتيا في كل طارئة أو مستحدث من الأحكام العصرية التي يرفدُها كلُّ واحد منهم بعلمه وفهمه وفقهه وتجربته ورؤيته لتصب في موضع واحد يتبلور منه جوابٌ شافٍ وكافٍ ومستوعبٌ للحكم الشرعي من كل نواحيه وجوانبه وتفاصيله وجزئياته وحيثياته.

وهذه الرسالة التي أوجهها لكبرائنا وعلمائنا الأفذاذ متعلقة بأمر شرعي مهم وخطير وهو أن عيون العامة وطلاب العلم من المسلمين تنظر إليكم وآذانهم مصغية لكلامكم وقلوبهم أوعية لما تؤصلون

سبب المقالة هي أحداث غزة الدامية، التي تستوجب من العلماء والفقهاء أن يتطاوعوا ويتشاوروا لإصدار فتيا موحدة تنص على وجوب نصرة أهل غزة بالمال والنفس والقول، عملا بقوله صلَّى الله عليه وسلم :(جاهدوا المشركين بأموالكم أنفسكم وألسنتكم)

وكل من سكت منهم عن نصرة المظلومين والمحاصرين في غزة العزة والكرامة والجهاد والرباط فهو آثم.

Similar Posts