|

أفلا يتدبرون القرآن ٠٠٠صفة الصبر ومعية الله للصابرين

بقلم : محمد الحسني

وَأَیُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥۤأَنِّی مَسَّنِیَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّ ٰ⁠حِمِینَ

فقد أشار القرآن الكريم في كثير من نصوصه الشريفة إلى صفة الصبر وأثنى على أصحابها ورفع درجتهم ومدحهم بأعلى معاني المدح وجعلهم من أحبابه قال تعالى ( والله يحب الصابرين) ومن بعدها ( والله مع الصابرين ) ووصل الحال بمرتبتهم أن الله تعالى بعد أن أحبهم وجعلهم في معيته قال عنهم ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ) الزمر / 10

جاء في تفسير البغوي:

قال علي – رضي الله عنه – : كل مطيع يكال له كيلا ويوزن له وزنا إلا الصابرون ، فإنه يحثى لهم حثيا ٠ انتهى

وإذا ذكر الصبر فلابد أن يأتي بالبال نبي الله وعبده أيوب عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام قال تعالى ( وَأَیُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥۤ أَنِّی مَسَّنِیَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّ ٰ⁠حِمِینَ) الأنبياء 83 ٠

وتأملاتنا في هذه الآية الكريمة تدور حول معنى (المس) وكذلك (الضر) ثم هل نادى أيوب ربه جزعا وهو الذي وصفه الله تعالى بأنه (صابرا) ولماذا لم يذكر المطلوب في دعائه واكتفى بذكر حاله؟

ونقول بداية:

قَدْ رَوى المُفَسِّرُونَ هَهُنا في بَلاءِ أيُّوبَ رِواياتٍ مُخْتَلِفاتٍ، بِأسانِيدَ واهِياتٍ، لا يُقامُ لَها عِنْدَ أئِمَّةِ الأثَرِ وزْنٌ. ولا تُعارُ مِنَ الثِّقَةِ أدْنى نَظَرٍ. نَعَمْ يُوجَدُ في التَّوْراةِ سِفْرٌ لِأيُّوبَ فِيهِ مِن شَرْحِ ضُرِّهِ، بِفَقْدِ كُلِّ مُقْتَنَياتِهِ ومَواشِيهِ وآلِ بَيْتِهِ، وبِنُزُولِ مَرَضٍ شَدِيدٍ بِهِ، عَدِمَ مَعَهُ الرّاحَةَ ولَذَّةَ الحَياةِ، غَرائِبُ. إلّا أنَّها مِمّا لا يُوثَقُ بِها جَمِيعُها. لِما داخَلَها مِنَ المَزِيجِ، وتَوَسَّعَ بِها في الدَّخِيلِ، حَتّى اخْتَلَطَ الحابِلُ بِالنّابِلِ. وإنْ كانَ يُؤْخَذُ مِن مَجْمُوعِها بَلاءٌ فادِحٌ وضُرٌّ مُدْهِشٌ. ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ خَيْرًا في أكْثَرِ مِمّا أجْمَلَهُ في تَنْزِيلِهِ الحَكِيمِ، لَتَفَضَّلَ عَلَيْنا بِتَفْصِيلِهِ. ولِذا يُوقَفُ عِنْدَ إجْمالِهِ فِيما أجْمَلَ، وتَفْصِيلِهِ فِيما فَصَّلَ. (النكت والعيون للماوردي)

والمسّ: الإصابة الخفيفة. والتعبير به حكاية لما سلكه أيوب في دعائه من الأدب مع الله إذ جعل ما حلّ به من الضر كالمس الخفيف (التحرير والتنوير / ابن عاشور)

و(الضر) بِالفَتْحِ الضَّرَرُ في كُلِّ شَيْءٍ، وبِالضَّمِّ الضَّرَرُ في النَّفْسِ مِن مَرَضٍ وهُزالٍ فَرْقٌ بَيْنَ البِناءَيْنِ لِافْتِراقِ المَعْنَيَيْنِ (البحر المحيط لأبي حيان).

﴿وأنْتَ﴾ أيْ والحالُ أنَّكَ أنْتَ ﴿أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ فافْعَلْ بِي ما يَفْعَلُ الرَّحْمَنُ بِالمَضْرُورِ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِسُؤالِ الرَّحْمَةِ حَيْثُ ذَكَرَ نَفْسَهُ بِما يُوجِبُ الرَّحْمَةَ، ورَبَّهُ بِأبْلَغِ صِفاتِها ولَمْ يُصَرِّحْ، فَكانَ ذَلِكَ ألْطَفَ في السُّؤالِ، فَهو أجْدَرُ بِالنَّوالِ. نظم الدرر / البقاعي.

ووصف ربه بصفته: ( وأنت أرحم الراحمين ) . ثم لا يدعو بتغيير حاله، صبرًا على بلائه، ولا يقترح شيئا على ربه، تأدبا معه وتوقيرا. فهو نموذج للعبد الصابر لا يضيق صدره بالبلاء، ولا يتململ من الضر الذي تضرب به الأمثال في جميع الأعصار. بل إنه ليتحرج أن يطلب إلى ربه رفع البلاء عنه، فيدع الأمر كله إليه، اطمئنانا إلى علمه بالحال وغناه عن السؤال. (الظلال سيد قطب).

وأخرج بعضهم معنى ( مسني الضر) مخرج الاستفهام وتقديره أيمسني الضر وأنت أرحم الراحمين ..

وعللوا وصف أيوب لحاله وعدم ذكره لمطلوبه بقولهم:

(وأنت أرحم الراحمين) وألطف في السؤال ولم يصرح بالمطلوب فكأنه قال أنت أهل أن ترحم وأيوب أهل أن يرحم فارحمه واكشف عنه الضر. قيل وإنما شكا إليه تلذذاً بالنجوى منه لا تضرراً بالشكوى، والشكاية إليه غاية القرب، كما أن الشكاية منه غاية البعد. ( فتح البيان للقنوجي).

وقال الماوردي في تفسيره عن معنى الضر:

وفِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: نذكر منها: أنَّ الضُّرَّ المَرَضُ.

الثّانِي: أنَّهُ البَلاءُ الَّذِي في جَسَدِهِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الشَّيْطانُ كَما قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ [ص: ٤١] .

الأخير: أنَّهُ انْقَطَعَ الوَحْيُ عَنْهُ أرْبَعِينَ يَوْمًا فَخافَ هِجْرانَ رَبِّهِ. انتهى بتصرف ( النكت والعيون / الماوردي)

والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ:﴿أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ أُمُورٌ:

أحَدُها: أنَّ كُلَّ مَن رَحِمَ غَيْرَهُ فَأمّا أنْ يَرْحَمَهُ طَلَبًا لِلثَّناءِ في الدُّنْيا، أوِ الثَّوابِ في الآخِرَةِ، وحينئذ يكون مطلوب ذلك الراحم منفعة نفسه، أما الحق سبحانه فإنه يرحم عباده من غير وجه من هذه الوجوه، ومن غير أن يعود إليه من تلك الرحمة زيادة ولا نقصان من الثناء.

وثانيها: أن كل من يرحم غيره فلا يكون ذلك إلا بمعونة رحمة الله تعالى؛ لأن من أعطى غيره طعاما أو ثوبا أو دفع عنه بلاء، فلولا أنه سبحانه خلق المطعوم والملبوس والأدوية والأغذية، وإلا لما قدر أحد على إعطاء ذلك الشيء.

وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ لَمْ يَخْلُقْ في قَلْبِ العَبْدِ تِلْكَ الدَّواعِيَ والإراداتِ لاسْتَحالَ صُدُورُ ذَلِكَ الفِعْلِ عَنْهُ، فَكانَ الرّاحِمُ هو الحَقُّ سُبْحانَهُ، مِن حَيْثُ إنَّهُ هو الَّذِي أنْشَأ تِلْكَ الدّاعِيَةَ، فَثَبَتَ أنَّهُ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ ٠التفسير الكبير / الرازي / بتصرف)

جاء في تفسير أضواء البيان للشنقيطي قوله:

فِي هَذِهِ الآياتِ المَذْكُورَةِ سُؤالٌ مَعْرُوفٌ، وهو أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْلَ أيُّوبَ المَذْكُورَ في ”الأنْبِياءِ“ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ وفي ”ص“ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ضَجِرَ مِنَ المَرَضِ فَشَكا مِنهُ، مَعَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى عَنْهُ: ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ [ص: ٤٤] يَدُلُّ عَلى كَمالِ صَبْرِهِ. والجَوابُ أنَّ ما صَدَرَ مِن أيُّوبَ دُعاءٌ وإظْهارُ فَقْرٍ وحاجَةٍ إلى رَبِّهِ، لا شَكْوى ولا جَزَعٌ. انتهى.

وقال القرطبي : ولم يكن قوله مسني الضر جزعا؛ لأن الله تعالى قال : إنا وجدناه صابرا بل كان ذلك دعاء منه ، والجزع في الشكوى إلى الخلق لا إلى الله تعالى ، والدعاء لا ينافي الرضا ٠٠ وسُئِلَ الجُنَيْدُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ فَقالَ: عَرَّفَهُ فاقَةَ السُّؤالِ لِيَمُنَّ عَلَيْهِ بِكَرَمِ النَّوالِ. انتهى

قال القاسمي في محاسن التأويل:

اذْكُرْ أيُّوبَ وما أصابَهُ مِنَ البَلاءِ ودُعاءَهُ رَبَّهُ في كَشْفِ ما نَزَلَ بِهِ، واسْتِجابَتَهُ تَعالى دُعاءَهُ وما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِ في رَفْعِ البَلاءِ. وما ضاعَفَ لَهُ بَعْدَ صَبْرِهِ مِنَ النَّعْماءِ، لِتَعْلَمَ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وأنَّ عاقِبَةَ العُسْرِ اليُسْرُ. وأنَّ لَكَ الأُسْوَةَ بِمِثْلِ هَذا النَّبِيِّ الصَّبُورِ، فِيما يَنْزِلُ أحْيانًا بِكَ مِن ضُرٍّ. وأنَّ البَلاءَ لَمْ يَنْجُ مِنهُ الأنْبِياءُ. بَلْ هم أشَدُّ النّاسِ ابْتِلاءً. كَما في الحَدِيثِ ««أشَدُّ النّاسِ بَلاءً الأنْبِياءُ ثُمَّ الصّالِحُونَ ثُمَّ الأمْثَلُ فالأمْثَلُ»

وإنَّ مِن أسْبابِ الفَرَجِ دُعاءَهُ تَعالى والِابْتِهالَ إلَيْهِ والتَّضَرُّعَ لَهُ، وذَكَّرَهُ بِأسْمائِهِ الحُسْنى وصِفاتِهِ العُلْيا. وإنَّ البَلاءَ لا يَدُلُّ عَلى الهَوانِ والشَّقاءِ. فَإنَّ السَّعادَةَ والشَّقاءَ في هَذا العالَمِ لا يَتَرَتَّبانِ عَلى صالِحِ الأعْمالِ وسَيِّئِها. لِأنَّ الدُّنْيا لَيْسَتْ دارَ جَزاءٍ. وإنَّ عاقِبَةَ الصِّدْقِ في الصَّبْرِ، هي تَوْفِيَةُ الأجْرِ ومُضاعَفَةُ البِرِّ.

ولِذا قالَ تَعالى: ﴿وذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٤] أيْ: تَذْكِرَةٌ لِغَيْرِهِ مِنَ العابِدِينَ لِيَصْبِرُوا كَما صَبَرَ، حَتّى يُثابُوا كَما أُثِيبَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وبِالجُمْلَةِ فالسِّرُّ هو تَثْبِيتُ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ وحَمْلُهم عَلى الصَّبْرِ في المُجاهَدَةِ في سَبِيلِ الحَقِّ. انتهى بتصرف ٠

قلت:

إن لقصة نبي الله أيوب عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام دروسًا وعبرًا أراها شاخصة ماثلة أمامنا في هذا الوقت العصيب والموقف العجيب والأحداث الجسام التي تمر على أمة الإسلام لابد لنا من الوقوف على أسرارها ومعرفة أحوالها ونوال أنوارها واتباع منهجها فإنه لا تبديل لسنة الله ولا تحويل والفطن من أخذ بالدرس واستفاد من الحدث واتعظ بغيره وأخذ بأسباب الوصول ونال القرب والوصول من ربه ومولاه.

ونحن هنا اليوم نقول تلك القولة العظيمة التي وقفت قوانين السماء والأرض أمامها عاجزة ليس لها إلا أن تكون كما أراد لها ربها الذي أبدل السقم صحة وعافية، والنقص مزيدا، والضر منفعة، وعطاء ربنا أنا مسنا الضر وأنت أرحم الراحمين فأنت أهل أن ترحم ونحن أهل أن نُرحم فارحمنا واكشف عنا الضر بما عندك لا بما عندنا. والحمد لله على كل الأحوال.

Similar Posts