التحريض على القتال

الناقد أدهم الشبيب

ليس الدعوة إلى العافية والسلم أمام عدو محارب مجاهر مغتصب للأرض منتهك للعرض إلا دعوة ضلال وجبن وتخذيل، وهي ليست من الحكمة أو الصبر في شيء، ومن ظن ذلك أو دعا إليه بحجة الضعف أو التفاوض أو التعقل والانتظار فقد دخل الشيطان في قلبه وضل سواء السبيل.

ففي حديث مسلم : “جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: “فَلاَ تُعْطِهِ مَالَكَ” قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: “قَاتِلْهُ” قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: “فَأَنْتَ شَهِيدٌ” قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: “هُوَ فِي النَّارِ”. (في الصحيح).

وقد ٱذن الله للذين ظُلموا ان يقاتلوا دفاعا عن ارضهم ، ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ () ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ﴾ فأمر الله تعالى النبي عليه الصلاة والسلام بتحريض المؤمنين على القتال لعل الله يكف عنهم باس الكافرين “بالقتال” : ﴿فَقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا﴾.

والله تعالى يعلم -كما نعلم- أن القتال كره وألم ولكنه لم يسقطه لأجل ذلك بل كتبه وأوجبه لأنه يعلم ما وراءه من نفع ونحن لا نعلم ولا نرى إلا المشقة ،فقال تعالى:﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًٔا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًٔا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

وإن ترك الديار خوفا من الموت لا يكون من رجال قادرين فإن الموت واحد ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُوا۟ ثُمَّ أَحْيَٰهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾.

فقد يصيب المرء قرح وتحاصره الوساوس ولكن المؤمن لا يهن ولا يضعف ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا۟ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا۟ وَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِين﴾والله تعالى ينصر المؤمنين إن صدقوا ويرعب بهم الكافرين ﴿سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَٰنًا وَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى ٱلظَّٰلِمِينَ ﴾.

ولا اعتبار للعدد والعدة -وإن كنا مأمورين بهما ما استطعنا- ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍۢ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ ولكن النصر من عند الله ايا كان العدد وكانت عدته ، يقول تعالى ﴿إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِى يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعْدِهِۦ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾.

ولا يقاتل في سبيل الله أصحاب الدنيا الذين يتأولون الفتاوى ويلوون الأحاديث لأجل القعود والسلامة وإنما يقاتل الذين يشترون الآخرة بالدنيا كأبطالنا في الشام وفلسطين ﴿فَلْيُقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْءَاخِرَةِ﴾ وهؤلاء إن قتلوا أو غلبوا فأجرهم عند الله عظيم ﴿ وَمَن يُقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.

فمالنا نخذل الناس ونقعد عن القتال من أجل المستضعفين منا، ويعاتبنا المولى العزيز في ذلك فيقول ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ فإن كنا صادقين وصابرين نغلب أضعاف أعدادنا من أعدائنا ونكسر عدتهم مصداقا لقوله تعالى ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفًا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ ﴾ وقد حصل بفضل الله وسوف يحصل إلى يوم الدين فهذا وعد رب العالمين.

الله تعالى يعلم حالنا ويدري بما تحدثنا به نفوسنا ويعرف سبحانه سبل الشيطان الذي يوسوس لنا بالتخلف والقعود عن الجهاد خوفا على المال والبيت والولد كما يسوق لنا المخذلون فيخاطبنا في ذلك سبحانه ويقول : ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَٰنُكُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ﴾.

أما الذين ثبطهم الله وجعلهم من القاعدين أو المخذلين فقد كره سبحانه انبعاثهم فقال ﴿وَلَوْ أَرَادُوا۟ ٱلْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا۟ لَهُۥ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْقَٰعِدِينَ﴾ ولو خرجوا مع المجاهدين ما زادوهم الا اضطرابا فابعدهم الله عن الخير حيث لا يستحقونه ، قال تعالى ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُواْ خِلَٰلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّٰعُونَ لَهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ﴾.

فنحن و إياهم وعدونا نترقب فعل الله فينا ونرتجي نحن الشهادة والجنة أو النصر وهم لا يرتجون إلا العذاب من عند الله أو بأيدينا ،وفي كل حال نحن الفائزون ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِۦٓ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ﴾.

Similar Posts