من أسرار (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ)

الشيخ عبد المنعم البدراني

قوله تعالى في سورة العنكبوت :((اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45))

قوله تعالى في هذه الآية:((وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ)) له معان عديدة عند السلف، وأعظمها معنىً وشرفاً وعزةً عندي هو أن قوله تعالى :(وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ)) أي إن ذكر اللَّهِ تعالى لعبده أكبر وأعظم منزلةً من ذكر العبد لربه.

وهذا المعنى الجليل للآية المباركة له مقدّمتان:

الأولى: متعلقة بقاعدة مفادها: “الجزاء من جنس العمل، ومنه قوله تعالى في سورة البقرة :((فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152)) فالله تعالى يذكر من يذكره، ومفهوم المخالفة أن الله تعالى ينسى من ينساه، ونسيان الله تعالى لمن ينساه من خلقه لا يراد به المعنى السلبي للنسيان حاشا لله، إنما يراد به النسيان المعنوي وهو إعراض الله تعالى عن عبده الناسي واللاهي عنه، فلا يأبه به ولا يضع له وزناً عنده ولا مكانة.

أما المقدّمة الثانية: فهي متعلقة بفضل الله تعالى على الذاكر له، لأن الله تعالى أكرم من عبده فإذا جازاه فإنما يجازيه أضعاف أضعاف ما قام به العبد من ذكره والثناء عليه سبحانه، ومنه ما رواه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه في الحديث القدسي الشريف:(يقُولُ اللَّه تَعالى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعهُ إِذَا ذَكَرَني، فَإن ذَكرَني في نَفْسهِ، ذَكَرْتُهُ في نَفسي، وإنْ ذَكَرَني في ملإٍ، ذكَرتُهُ في ملإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ) متفق عليه.

فانظر إلى كرم الله تعالى وجوده وإحسانه وفضله على عبده الذاكر له.،فقال:(فَإن ذَكرَني في نَفْسهِ، ذَكَرْتُهُ في نَفسي)

الله أكبر ولله الحمد

وهذا الحديث له معنيان:

الأول المراد به الذكر الذي هو من جنس حديث النفس من غير أن يحرك العبد شفتيه.

والثاني: أن يذكر الله تعالى خلوة بينه وبين ربه.

والمعنيان صحيحان.

وأما الفضل الأعظم من الله تعالى لعبده الذاكر له فهو قوله عز من قائل:(وإنْ ذَكَرَني في ملإٍ، ذكَرتُهُ في ملإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ)

الله أكبر

فأيُّ ملأ قصدَ اللّهُ تعالى هذا الذي يذكر عبدَه الذاكرَ له فيه؟

اللهم اجعلنا لك من الذاكرين الشاكرين يا أكرم الأكرمين.

مسائل في آية

قوله تعالى في سورة القصص:((فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)

وفي الآية الكريمة جملة من المسائل:

الأولى: قوله تعالى:((فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ۚ)) وهذه قاعدة كلية والناس فيها صنفان:

صنف استجاب لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو على بيِّنة من ربه في عقيدته وسلوكه وفهمه.

وصنف لم يستجب لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو متبع لهواه وما تشتهي نفسه فهو على ضلالة وزيغ وانحراف وعمىً في عقيدته وسلوكه وفهمه.

الثانية: قوله تعالى:((وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ۚ))

وهذا الاستفهام هو استفهام تقريري يرادُ منه تقرير حقيقة شرعية وعقلية ألا وهي الجواب على هذا الاستفهام.

وتقدير الجواب: لا أحدَ أضلُّ ممن اتبع هواه بغير هدىً من الله تعالى في كتابه أو في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وهذه الآية الكريمة تقوي المعنى الذي جاء في الحديث النبوي المختلف على صحته وثبوته:(لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) صححه جماعة وضعفه جماعة

وقال بعض أهل العلم إن سنده فيه ضعف ولكن معناه صحيح وأنا أميل إلى هذا القول والآية تدل على أن هناك هوىً هو من هدى الله وهو الهوى الذي يوافق شرعه وكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم

الثالثة: قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)

وفيها دلالة على أن من اتبع هواه بغير هدىً من الله تعالى فقد ظلم نفسه وإذا دعا إليه فقد ظلم غيرَه.

وظُلْمُ الإنسانِ نفسَه باتباع هواه أقل إثما ممن صار داعيةً إليه ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :(ومَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا ) رواه الإمام مسلم في صحيحه.

Similar Posts