أفلا يتدبرون القرآن ٠٠٠ تأملات في الآيات القرآنية

أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة

بقلم : محمد الحسني

الإيمان ليس كلمة تقال إنما هو حقيقة ذات تكاليف؛ وأمانة ذات أعباء؛ وجهاد يحتاج إلى صبر، وجهد يحتاج إلى احتمال. فلا يكفي أن يقول الناس: آمنا. وهم لا يتركون لهذه الدعوى، حتى يتعرضوا للفتنة فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم خالصة قلوبهم هذه الفتنة على الإيمان أصل ثابت، وسنة جارية، في ميزان الله سبحانه

والله يعلم حقيقة القلوب قبل الابتلاء؛ ولكن الابتلاء يكشف في عالم الواقع ما هو مكشوف لعلم الله، مغيب عن علم البشر؛ فيحاسب الناس إذن على ما يقع من عملهم لا على مجرد ما يعلمه سبحانه من أمرهم. وهو فضل من الله من جانب، وعدل من جانب، وتربية للناس من جانب، فلا يأخذوا أحدا إلا بما استعلن من أمره، وبما حققه فعله. فليسوا بأعلم من الله بحقيقة قلبه ٠٠٠ إن الإيمان أمانة الله في الأرض، لا يحملها إلا من هم لها أهل وفيهم على حملها قدرة، وفي قلوبهم تجرد لها وإخلاص. وإلا الذين يؤثرونها على الراحة والدعة، وعلى الأمن والسلامة، وعلى المتاع والإغراء. وإنها لأمانة الخلافة في الأرض، وقيادة الناس إلى طريق الله، وتحقيق كلمته في عالم الحياة. فهي أمانة كريمة؛ وهي أمانة ثقيلة؛ وهي من أمر الله يضطلع بها الناس؛ ومن ثم تحتاج إلى طراز خاص يصبر على الابتلاء. (الظلال سيد قطب)

قال تعالى (أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) ( البقرة 157)

هناك استفهامات عدة على هذه الآية الكريمة نذكرها؟؟ اختيار اسم الإشارة (أولئك) دون غيره وتكراره؟ تقديم شبه الجملة الجار والمجرور (عليهم) واختيارها بدلا من (لهم)؟ جمع الصلوات إفراد الرحمة؟ اختيار لفظ الربوبية (ربهم)؟ الاتيان بالضمير (هم) بين المبتدأ والخبر وجعل الجملة اسمية (وأولئك هم المهتدون)؟

وإليك ما جاء في كتب التفسير التي شاغلت مثل تلك المعاني٠

وقوله تعالى ﴿ أُولَئِكَ ﴾ الإشارة فيه للصابرين المتصفين بانهم المسترجعين عند المصيبة، وأشار إليهم بإشارة البعيد ﴿ أُولَئِكَ ﴾ تنويهاً برفعة منزلتهم، وعلو مقامهم جاء في تفسير الطاهر ابن عاشور قوله : وأصل الإشارة أن تعود إلى ذات مشاهدة معينة إلا أن العرب قد يخرجون بها عن الأصل فتعود إلى ذات مستحضرة من الكلام بعد أن يذكر من صفاتها وأحوالها ما ينزلها منزلة الحاضر في ذهن المتكلم والسامع، فإن السامع إذا وعى تلك الصفات وكانت مهمة أو غريبة في خير أو ضده صار الموصوف بها كالمشاهد ، فالمتكلم يبني على ذلك فيشير إليه كالحاضر المشاهد ، فيؤتى بتلك الإشارة إلى أنه لا أوضح في تشخصه ، ولا أغنى في مشاهدته من تعرف تلك الصفات ، فتكفي الإشارة إليها ( التحرير والتنوير / ابن عاشور) وفي قَوْلِهِ: أُولَئِكَ، اسْمُ الإشارَةِ المَوْضُوعُ لِلْبُعْدِ دَلالَةً عَلى بُعْدِ هَذِهِ الرُّتْبَةِ، كَما جاءَ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] . والكِنايَةُ عَنْ حُصُولِ الغُفْرانِ والثَّناءِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ﴾ بِحَرْفِ عَلى، إشارَةً إلى أنَّهم مُنْغَمِسُونَ في ذَلِكَ، قَدْ غَشِيَتْهم وتَجَلَّلَتْهم، وهو أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ لَهم٠( البحر المحيط لابي حيان) .

وقوله تعالى (صلوات): والصلوات جمع صلاة. وصلاة الله على عباده إقباله عليهم. بالثناء والعطف والمغفرة.

وجمعت مراعاة لكثرة ما يترتب عليها من أنواع الخيرات في الدنيا والآخرة.

الرحمة كما هو مذهب السلف- صفة قائمة بذاته- تعالى- لا نعرف حقيقتها وإنما نعرف أثرها الذي هو الإحسان.

وعطف- سبحانه- الرحمة على الصلوات ليدل على أن بعد ذلك الإقبال منه على عباده إنعاما واسعا، وعطاء جزيلا في الدنيا والآخرة ٠ ( الوسيط للطنطاوي)

. وصَلَواتُ اللهِ عَلى عَبْدِهِ: عَفْوُهُ ورَحْمَتُهُ، وبَرَكَتُهُ، وتَشْرِيفُهُ إيّاهُ في الدُنْيا والآخِرَةِ، وكَرَّرَ الرَحْمَةَ لَمّا اخْتُلِفَ اللَفْظُ تَأْكِيدًا، وهي مِن أعْظَمِ أجْزاءِ الصَلاةِ مِنهُ تعالى ( المحرر الوجيز لابن عطيه)

وجاء في تفسير المنار قوله:

ذكر البلاء ( ولنبلونكم بشيء من ٠٠٠ الآية) وبشر الصابرين عليه، وذكر الوصف الذي يستحقون به البشارة ( الذين إذا أصابتهم ٠٠٠ الآية) ، وختم القول ببيان الجزاء المبشر به بالإجمال فقال: { أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة } أي أولئك الصابرون المحتسبون عليهم من ربهم الرؤوف الرحيم ما يحول دون تبريح المصائب بهم من أنواع صلواته العامة ورحمته الخاصة، فأما الصلوات فالمراد بها أنواع التكريم والنجاح، وإعلاء المنزلة عند الله والناس، وعن ابن عباسٍ: “أنها المغفرة لذنوبهم” وأما الرحمة فهي ما يكون لهم في نفس المصيبة من حسن العزاء، وبرد الرضى والتسليم للقضاء، فهي رحمة خاصة يحسد الملحدون عليها المؤمنين، فإن الكافر المحروم من هذه الرحمة في المصيبة تضيق عليه الدنيا بما رحبت، حتى إنه ليبخع نفسه إذا لم يعد له رجاء في الأسباب التي يعرفها وينتحر بيده ويكون من الهالكين.( تفسير المنار / محمد رشيد رضا)

ثم قال تعالى (من ربهم) بإضافة ضميرهم إلى الرب والتفت إلى ذلك أبو السعود في تفسيره فقال:

والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية؛ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ؛ لِإظْهارِ مَزِيدِ العِنايَةِ بِهِمْ؛ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ عَلَيْهِمْ فُنُونُ الرَّأْفَةِ؛ الفائِضَةِ مِن مالِكِ أُمُورِهِمْ؛ ومُبَلِّغِهِمْ إلى كَمالاتِهِمُ اللّائِقَةِ بِهِمْ ٠ انتهى (تفسير ابو السعود)

وقال أبو حيان: ووَصَفَها بِكَوْنِها مِن رَبِّهِمْ، لِيَدُلَّ بِمِن عَلى ابْتِدائِها مِنَ اللَّهِ، أيْ تَنْشَأُ تِلْكَ الصَّلَواتُ وتَبْتَدِئُ مِنَ اللَّهِ تعالى ٠(البحر المحيط لأبي حيان).

( وأولئك هم المهتدون) إشارة كسابقة إلى الصابرين المنعوتين بما ذكر من النعوت، والتكرير لإظهار كمال العناية بهم، ويجوز أن يكون إشارة إليهم باعتبار حيازتهم ما ذكر من الصلوات والرحمة المترتبة على ما تقدم، فعلى الأول المراد بالاهتداء في قوله – عز شأنه – : هم المهتدون هو الاهتداء للحق والصواب مطلقا، والجملة مقررة لما قبل، كأنه قيل: وأولئك هم المختصون بالاهتداء لكل حق وصواب، ولذلك استرجعوا واستسلموا لقضاء الله – تعالى -، وعلى الثاني هو ( الاهتداء ) والفوز بالمطالب، والمعنى ( أولئك هم الفائزون ) بمطالبهم الدينية والدنيوية، فإن من نال تزكية الله – تعالى – ورحمته لم يفته مطلب. ( روح المعاني / الألوسي)

جاء في تفسير الكشاف قوله: فإن قلت: لم جاء مع العاطف اي (وأولئك)؟ وما الفرق بينه وبين قوله تعالى: أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون [الأعراف: 179]؟ قلت: قد اختلف الخبران ههنا; فلذلك دخل العاطف، بخلاف الخبرين ثمة فإنهما متفقان; لأن التسجيل عليهم بالغفلة، وتشبيههم بالبهائم شيء واحد، فكانت الجملة الثانية مقررة لما في الأولى فهي من العطف بمعزل.

و (هم) ضمير فصل، وفائدته: الدلالة على أن الوارد بعده خبر لا صفة، والتوكيد، وإيجاب أن فائدة المسند ثابتة للمسند إليه دون غيره، أو هو مبتدأ، و (المهتدون) خبره، والجملة خبر أولئك٠ (الكشاف للزمخشري).

يقول سيد قطب معقبا بعد تفسير هذه الآية: لا بد من وقفة أمام هذه الخاتمة في تلك التعبئة للصف الإسلامي. التعبئة في مواجهة المشقة والجهد، والاستشهاد والقتل، والجوع والخوف، ونقص الأموال والأنفس والثمرات. التعبئة في هذه المعركة الطويلة الشاقة العظيمة التكاليف إن الله يضع هذا كله في كفة. ويضع في الكفة الأخرى أمرا واحدا. . صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون . . إنه لا يعدهم هنا نصرا، ولا يعدهم هنا تمكينا، ولا يعدهم هنا مغانم، ولا يعدهم هنا شيئا إلا صلوات الله ورحمته وشهادته. . لقد كان الله يعد هذه الجماعة لأمر أكبر من ذواتها وأكبر من حياتها. فكان من ثم يجردها من كل غاية، ومن كل هدف ومن كل رغبة من الرغبات البشرية – حتى الرغبة في انتصار العقيدة – كان يجردها من كل شائبة تشوب التجرد المطلق له ولطاعته ولدعوته . . كان عليهم أن يمضوا في طريقهم لا يتطلعون إلى شيء إلا رضى الله وصلواته ورحمته وشهادته لهم بأنهم مهتدون . . هذا هو الهدف، وهذه هي الغاية، وهذه هي الثمرة الحلوة التي تهفو إليها قلوبهم وحدها. . فأما ما يكتبه الله لهم بعد ذلك من النصر والتمكين فليس لهم، إنما هو لدعوة الله التي يحملونها. انتهى٠

قلت: واليوم نرى هذه الثلة التي وصفها القرآن الكريم الصابرة المحتسبة بعد أن كنا نقرأ عنها ونفتخر بانتسابنا لها نراها في صورة جلية واضحة لا تقبل اللبس ولا الريب على أرض غزة لتؤكد صدق الله تعالى في اختبارهم (ولنبلونكم) وفي إنجاز وعده (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة) وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم في بشارته لهم (وبشر الصابرين) وكيف وقفوا امام أعتى وأظلم وأرعن قوى الأرض اليوم لا يضرهم من خذلهم ينتظرون أمر الله وهم صابرون محتسبون ولن يخلف الله وعده ٠٠ ومن أصدق من الله قيلا ٠٠

والحمد لله على كل الأحوال

Similar Posts