ذاكرة الإنكشاف الكبير ” مجاهــ.ــدون على شتى الجبهات”

بقلم : الخضر الشيباني *

التنظير والنقد دائما أسهل من العمل ولذلك كان الادعاء بالقول دون العمل من الصفات المذمومة في القران الكريم قال تعالى وتقدس:

(يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) الصف: 2_ 3.

وإذا كان على العسكريين في حياتنا المعاصرة _ التي تقوم في الأعم الأغلب على التخصص وتوزيع الأدوار والمهن _ المبادرة بالقتال والجهاد بالنفس كواجب شرعي ووظيفي فإن على بقية مكونات الأمة المبادرة والمشاركة في فريضة الجهاد بما يناسبها ويليق بها زمانا ومكانا إلا إذا أصبح القتال بالنفس فرض عين عليها في حالات محددة في فقه الجهاد.

وبناء عليه فينبغي لكل فئة من الأمة أن تتأهل لما يناسبها من أنواع الجهاد وتتعلم أحكامه الشرعية وضوابطه حتى يكون عملها صالحا صوابا متقبلا وحتى تكون جاهزة عند حاجة الأمة لها.

وينبغي أن تسلك كل السبل لتكون جاهزيتها على المستوى المطلوب عند حلول الحاجة والطلب.

جاء هذا الموضوع في خاطري عندما تذكرت حالنا مقارنة بحال أهلنا المرابطين والمجاهدين في غـ.ـزة الصمود والإباء وتأملت في عباراتهم التي يصرخون بها تعبيرا عما ابتلوا به من قهر الرجال وألم الأمهات الثكالى وأحزان المكلومين وجراح الخذلان.

وعندما تأملت في ألفاظ ومضامين بعضها وجدت فيها إشارات لا تخفى إلى شمولية مفهوم الجهاد عند أهل غزة ومكونات شعبها من مختلف التخصصات.

ولعل ذلك له ارتباط بثباتهم ومن ثم النكاية بعدوهم وإصابته بأنواع الآفات الجسدية والنفسية والسياسية والاقتصادية.

فلله درهم فيما قدموه من نموذج تنظيرا وتطبيقا ولله درهم في جميع أحوالهم.

لقد سمعنا من مجاهديهم شبابا وشيبانا في الميدان حب الجهاد بالنفس وتضحيتهم في سبيل إعلاء كلمة الله وتحرير أرضهم المباركة وتحرير مسرى الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم إيمانا بتوجيه الخالق جل وعلا:

(وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) البقرة: 190.

وسمعنا من مجاهديهم الأطباء الالتزام بواجب الطبيب في الرحمة والشفقة بالخلق والوفاء بالقسم الذي أعطوه عند تخرجهم من دراستهم وأن يبقى الفرد منهم مؤديا لواجب مهنته في النجدة للمرضى وأصحاب الآلام مهما كانت حالتهم وفي مختلف الظروف والأحوال وكأنهم يقتدون بذلك برسول الرحمة صلى الله عليه وسلم ويسمعون قوله:

(الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، والرحم شجنة من الرحمن من وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله) صحيح الترمذي للألباني برقم 1924.

وسمعنا من مجاهديهم الإعلاميين والصحفيين بجميع وسائلهم الالتزام بواجب نقل الحقيقة ونقل ما يحصل في الميدان التزاما بأمانة الكلمة ونقل الحقائق بالكلمة والصور المواكبة لها ودورها في معركة طوفان الأقصى وفي حرب غزة بعدها لا ينكره إلا جاهل أو معاند أو مستكبر.

وكشف الإعلام الإلكتروني والتوثيق العسكري المواكب _ خاصة فيما يخص التعامل مع الرهائن _ زيف الصورة التي يقدمها إعلاميو وسياسيو العدو الصهيوني للعالم ووكالات الأنباء والتي تسير على منهج وزير الدعاية السياسية والإعلام في أيام عدو اليـ.ـهود القائد الألماني أدولوف هتلر أعني به: جوزيف جوبلز حيث قال عبارته المشهورة والتي لا تزال تدرس في كليات الإعلام:

” اكذب واكذب حتى يصدقك الناس ” !!

وسمعنا من مجاهديهم السياسيين ثباتهم في مساندة المجاهدين والناس في الميدان وتبني قضاياهم بصدق _ بخلاف الأعم الأغلب عربيا _ ونقل حقائق الميدان للعالم وشروط المقاومة حول الهدن والإفراج عن الرهائن وإدخال الأغذية والمساعدات.

فكانت الجبهة السياسية مؤازرة ومساندة لمن هم في الميدان حقا وصدقا.

وهذا التكامل بين الجبهة السياسية والجبهة العسكرية هو سلوك وطريقة ربانية لمن يفهم النص الشرعي فهما واعيا ربانيا.

لأن هذا التواصل منبثق عن منهج الشورى الذي وجه به الخالق العليم جل وعلاه وطبقه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم مع أصحابه رضوان الله عليهم.

قال تعالى:

(فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين) آل عمران: 195.

صحيح أن السياسيين لم يكونوا منفصلين عن المقاتلين في الميدان قديما كما هو الحال اليوم.

لكن هذه سنة الله في خلقه وتحولات الميدان وتغيرات الحياة تعالجها عقول القادة وفقه السياسة الشرعية يعطي الأجوبة والوسائل اللازمة لذلك بحسب الزمان والمكان.

وشاهدنا من مجاهدي التجارة والبيع والشراء سعيهم لاستمرار إيجاد البضائع والمواد الضرورية لكي يعيش الناس ويستمروا في الصبر والمصابرة فضلا عن التبرعات التي جاد بها المحسنون منهم من داخل غزة مع عظم البلاء والحاجة وفقدان الممتلكات وهذا من الجهاد بالمال وفرع عنه وتابع له ومعلوم إن الجهاد بالمال قدم على الجهاد بالنفس في أغلب المواضع التي ذكر فيها الجهادين في القران الكريم لأهميته وأثره الفاعل في مجريات المعارك وشد أزر المقاتلين بالغذاء والسلاح.

قال تعالى:

(لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم…. ) الآية النساء 95.

(الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون) التوبة: 20.

(لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين) التوبة: 44

(فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله) التوبة: 81.

(لكن الرسول والذين أمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون) التوبة: 88.

(إنما المؤمنون الذين أمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون) الحجرات: 18.

فهنيئا لمن قدم تجارته مع الله على تجارته مع الخلق سواء كان داخل غزة العزة أو خارجها وبارك الله له في أهله وماله وجميع أحواله.

وسمعنا من مجاهدات النساء والبنات في البيوت والمدارس والملاجئ مساندتهن وصبرهن على فقدان الأب والابن والزوج والأخ فداء للأقصى ولأرض الرباط وقياما بحق الموالاة بين المؤمنين خاصة في مثل هذه الأحوال.

قال تعالى:

(والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم) التوبة: 71.

والدرس الذي ينبغي أن نسعى لاستيعابه عند سماع ومشاهدة هؤلاء وغيرهم من بقية الفئات والتخصصات:

إن هؤلاء يقدمون الدرس التطبيقي بعدما وعته قلوبهم وعقولهم نظريا.

فهم قد تصدروا لميدان الجهاد بعد العلم مع اختلاف مشاربهم كأنهم صف واحد وبنيان واحد وهذا الذي يحبه الله من عباده في مثل هذه المواضع:

(إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص) الصف: 4

فسبحان الله:

هم في الميدان وتحت القصف والطائرات وتحت أصوات البنادق والقنابل كأنهم صف واحد وعلى قلب واحد صغارا وكبارا رجالا ونساء.

ثمة فرق بين التربية على العمل واغتنام الوقت بالجد والتأهيل البدني والنفسي والمادي، وبين التربية على الجدل والتسويف والتأجيل والتذمر وكثرة النقد والطعن واللمز.

فتلك تنتج الانجاز والفوز والانتصار والثانية تنتج الجدل والفرقة والهزيمة _ والعياذ بالله _

فلله در أهل غزة شعبا ومقاومة وهكذا يكون الفهم العملي الشامل للجهاد وأنواعه ووسائله:

منظومة متكاملة من الجد والاجتهاد في جميع الميادين ذات العلاقة يشارك فيها الجميع في المجتمع كجسد واحد مع السعي لتحقيق العبودية لله وحده لا شريك له في جميع الأمور قال تعالى:

(قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) الأنعام: 162 _ 163.

ولا يمكن أن يصل إلى ذروة سنام هذه الفريضة الجليلة العظيمة من يفني وقته وجهده في عبادة الدنيا وفي ملاحقة الرغبات ومتطلبات الأنا الذاتية والعيش في أفخاخ الترف المادي والتنظير الفلسفي والتشدق بالألفاظ والعبارات بدون العمل.

وقد جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان في الساقة كان في الساقة وإن كان في الحراسة كان في الحراسة إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع) البخاري: 2887.

ومن كان عمله على ما يحب الله ويرضى فحري له العون والتأييد والنصر وإجابة الدعاء وهو من أولي الألباب الذين مدحهم الله بنص كتابه وأستجاب دعائهم كما قال تعالى:

(فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب) آل عمران: 195.

ثم واسى الله جل وعلا رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم _ ولعلها تسلية مناسبة لأهل غزة كذلك _ بقوله:

(لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المصير) آل عمران: 196.

اللهم كن لمجاهدي غـ.ـزة ومن سار على طريقهم ناصرا ومعينا.

اللهم ألهمنا ما تحب وترضى وارزقنا الشهادة في سبيلك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة يا رب العالمين يا أرحم الراحمين ..

* كاتب وباحث يمني _ مدير عام مركز الكلمة الطيبة للبحوث والدراسات (صنعاء سابقا).

Similar Posts