عشرون عامًا ولجان التحقيق مجهولة ونتائجها مبهمة في العراق

بقلم : د.أيمن العاني

منذ 2003 ولغاية الآن، والمشهد العراقي مليء بالمآسي والمصائب التي لا تنتهي، والسلطات المعنية في العراق ما بعد الغزو الأمريكي تعلن عن تشكيل لجان تحقيق في الحادثات والفواجع والكوارث التي هزّت البلاد والتي كان لها تداعيات خطرة، منها ما هو متعلّق بمجازر وحشية وجرائم نكراء وانتهاكات جسيمة وعمليات فساد سياسي مالي وإداري واسعة النطاق، ولكن وحتى تأريخ هذا المقال لم يعلن عن أسماء أعضاء أي من اللجان التحقيقية التي أعلن عن تشكيلها أو ما توصّلت إليه وما خلصت إليه تحقيقاتها، وما إذا كانت قد تم تشكيلها بالفعل أم لا. والمصيبة الأمرّ هو أنه وبسبب تزاحم الأحداث على الساحة العراقية وتتابعها، سرعان ما ينشغل الشعب المقهور بمصيبة جديدة، وما يزال العراقيون يعانون من الألم المركب وهم يرون المتورطين والمتهمين أمامهم كل يوم وهم ماضون في سرقة ثرواتهم وقتل أبنائهم من دون وجل ولا خجل، وفي كل مرة لم تقدّم لجان التحقيق أي نتائج تذكر، كما لم تكشف أي من تلك اللجان عن المذنبين الحقيقيين لمحاسبتهم، وفي وقت وعدت فيه السلطات بتقديم المقصرين في مختلف الحوادث إلى القضاء فإنّ أيّا من تلك الأحداث لم تُكشف نتائج التحقيق بشأنها، ولم يقدّم أحد كمتهم لمحاسبته، سواء كان شخصاً أو جهةً. كما لم يعرف أحد أسباب حدوث هذه المصائب والأزمات ولا حيثيات أو تفاصيل حدوثها ولم يتم تحديد هوية المتسببين فيها أو الذين يقفون وراءها من الأساس. ومما يزيد الطين بلّة والداء علّة في العراق هو أن كل الذين تم توجيه أصابع الاتهام لهم ما زالوا محتفظين بمناصبهم أو بمراكزهم الحزبية، بل وتم تكريم الكثير منهم، شأنه في ذلك شأن كل الجناة والفاسدين الذين سبقوه، والذين بينهم وزراء ووكلاء وزراء ومديرون عامون.

إن العملية السياسية المبنية على المحاصصة التي جاء بها الاحتلال وما أفرزته من حالة تشاركية ما بين الأطراف المشاركة فيها، هي وراء كل المصائب التي حلت في العراق ما بعد الغزو الأمريكي، ولكم أن تتصوروا آلية التناوب الحزبي للوزارات والمؤسسات الحكومية وما يترتب عليها من اختيارات غير مناسبة للوزراء والمسؤولين الآخرين، والسبب لان الكتل المشاركة في العملية السياسية عليها أن تتفق على المرشحين ضمن تسويات سياسية بائسة مبنية على المصالح الشخصية والحزبية وبعيدة كل البعد عن الأولويات الوطنية، ويتجلى ذلك في أن الكتلة التي تعتبر أن الوزارة المعينة من حصتها ترفض تعيين أي وزير من خارجها مهما امتلك من كفاءة وخبرة، لأنها ترى أن ذلك سيؤدي إلى خسارة المنافع التي تحصل عليها، وبالتالي سيعمد أي وزير جديد على تغيير الكوادر الفاسدة التابعة للكتلة السابقة بكوادر تابعة لكتلته، وربما تكون أكثر فسادا من التي سبقها، وهذا هو نظام العمل في الوزارات منذ الاحتلال الأمريكي للعراق.

إن النظام السياسي القائم في العراق تسبب بأحجام هائلة من الإجرام والفساد في الوزارات الحكومية كافة، وقد نستعرض بعض الأحداث التي وقعت في ظل هذا النظام؛ فأحد المديرين العامين تم تهديده بالسلاح أثناء قيامه بواجبه الرسمي لأنه رفض أن يمنح عقدا فاسدا لأحد أفراد الكتلة المهيمنة على وزارته، وتم زرع أجهزة مراقبة في غرفته من قبل كوادر الكتلة المسيطرة على الوزارة لمنعه من اتخاذ أي قرار يضر بمصالحها. ولما اشتكى إلى رئيس الوزراء، أخبره الأخير أن يتدبر الأمر بنفسه! وقال مسؤول آخر إن ميزانية الوزارة التي يعمل فيها تسرق بشكل منظم ويتم نقل أجزاء كبيرة منها بالسيارات إلى إيران، وعندما حاول منع هذه الحالة هدده أحد المسؤولين الإيرانيين بانه لن يبقيه في منصبه، وبالفعل تم طرده بعد إصراره على عدم الرضوخ، وهذا ينسحب على جميع الوزارات الحكومية من دون استثناء. وبالنتيجة فان جل الأموال المخصصة لهذه الوزارة أو تلك تذهب إلى جيوب الفاسدين والمفسدين من المشاركين في العملية السياسية أو لجيوب من جاء بهم أو من يدعمهم.

إن الإعلان عن تشكيل لجان تحقيق في العراق ما بعد الغزو الأمريكي ما هو إلا فساد من نوع آخر وعملية كسب وقت وإسكات للرأي العام المحلي والدولي، خصوصاً أنّ ملفات سابقة مثل سقوط الموصل، ومجزرة سارية ومصعب بن عمير في ديالى، وصفقة السلاح الأوكراني الفاسد، ومجزرة معسكر مجاهدي خلق في بغداد، وصفقة الخوذ والسترات الواقية، وأجهزة كشف المتفجرات، وغيرها المئات من الملفات التي أغلقت وجمّد القضاء والادعاء العام في العراق جميع المطالبات بالتحقيق فيها، من دون معرفة أسبابها ولا تحديد هوية المتسببين فيها.

يزاد على ذلك دور المنظومة القضائية في العراق ما بعد الغزو الأمريكي في تكريس لحالة الفوضى والفساد والإفساد والإجرام في البلاد؛ من خلال إصدارها قرارات انتقائية مدفوعة بضغوط من جهات حزبية متنفذة، من بينها قرارات تعرقل مكافحة الفساد في بلد يعد من أكثر البلدان فسادًا في العالم، في حين لا يتم التركيز على ملفات أخرى أكثر إلحاحًا مثل محاسبة المتورطين في ملف سقوط الموصل وسرقة المليارات من أموال الشعب وقتل المتظاهرين، ومتابعة تصاعد الوفيات داخل السجون بسبب ظروف الاحتجاز السيئة والتعذيب المتكرر، وغيرها من الفواجع والكوارث والقضايا ذات الأهمية.

ففي الثاني من آذار/مارس 2022؛ أصدرت المحكمة الاتحادية في العراق قرارًا يقضي بعدم صحة الأمر الديواني رقم (29) لسنة 2020 المتضمن تشكيل لجنة دائمة للتحقيق في قضايا الفساد والجرائم المهمة وإلغائه، بزعم “مخالفة اللجنة لأحكام الدستور التي تضمن حماية حرية الإنسان وكرامته ولمبدأ الفصل بين السلطات ولمبدأ استقلال القضاء واختصاصه بتولي التحقيق والمحاكمة، ولكون الأمر المذكور يعد بمثابة تعديل لقانون هيئة النزاهة كونها هيئة دستورية تختص في التحقيق في قضايا الفساد المالي والإداري”.

من فمك أُدينك! اللجان التحقيقية “فساد بحد ذاته”

أكد عضو البرلمان الحكومي، حسام الصفار، أنّ لجان التحقيق “باتت وسيلة تخدير لإسكات الشارع العراقي”. ولفت الصفّار إلى أنّ “البرلمان نفسه شكّل لجان تحقيق ولم يعرف مصيرها وما فعلتْه، وهو ما يؤكّد للشارع أنّ الفساد والتقصير الحالي بمؤسسات الدولة يجري بمباركة الكتل السياسية، ومن يدعمها، والحكومة بطبيعة الحال تحصيل حاصل لهذه المعادلة”.

من جهته، وصف النائب عن “تيار الحكمة”، علي البديري، لجان التحقيق التي يعلن عنها في العراق باستمرار بأنها “مقبرة الحقيقة”، مضيفاً: “إذا أردت أن تقتل الحقيقة أو تسكت الشعب، فشكّل لجنة تحقيق”. وتابع البديري: لم يستفد الشعب العراقي من أي لجنة تحقيق، ولم يسجّل أي إجراء قانوني أو تعويض أو عقاب جراء تحقيقات تلك اللجان، فهي مخدر أو تسكيت للشعب.

وفي ذات السياق، قال النائب عن تحالف “سائرون”، سلام الشمري: إنّ الأحداث والملفات كثيرة، ولجان التحقيق التي أعلن عنها كانت كثيرة، لكن لم نر منها أي نتائج، ولم تعمل لجان التحقيق التي شكّلت خلال الدورات الانتخابية الماضية بشكل حقيقي.

مسلسل الفواجع مستمر في العراق

وفي صباح الأربعاء 27 أيلول/سبتمبر الجاري، استيقظ العراق على فاجعة حريق مدمر في قاعة زفاف في قضاء الحمدانية، بمحافظة نينوى شمالي البلاد، وتشير المعلومات الرسمية، إلى أن ما لا يقل عن 118 شخصًا قد لقوا مصرعهم، والحصيلة مرشحة للزيادة بسبب خطورة حالات الإصابة، بينما أصيب أكثر من 150 آخرين، في حين أشار الهلال الأحمر العراقي، إلى أن عدد الضحايا وصل إلى 450 شخصا، بين قتيل ومصاب.

ووفقا للدفاع المدني في نينوى، فإن المعلومات تشير إلى أنّ سبب الحريق هو “استخدام الألعاب النارية أثناء حفل الزفاف” ممّا أدّى إلى “إشعال النيران داخل القاعة، وأضاف الدفاع المدني في بيان له أنّ سبب انتشار “الحريق بسرعة كبيرة” هو أن القاعة مغلّفة بمادة “سريعة الاشتعال” مكوّنة من الألمنيوم والبلاستيك، موضحاً أنّ استخدام هذه المادة في البناء “مخالف لتعليمات السلامة” المنصوص عليها قانوناً.

إن غياب سلطان القانون وانعدام الرقابة وسيطرة الميليشيات على المشهد السياسي والأمني والاقتصادي في العراق ما بعد الغزو الأمريكي، أدى إلى عدم التزام عام بتعليمات السلامة، وإهمال ممنهج ولاسيما في قطاعي البناء والنقل، في ظل بنى تحتية متهالكة بفعل انعدام التخطيط وإجراءات الصيانة، الأمر الذي يؤدي إلى استمرار حدوث مثل تلك الكوارث.

وبينما يواصل العراق لملمة جراح كارثة حريق قاعة الأعراس في قضاء الحمدانية بمحافظة نينوى، وقعت بعد أقل من 24 ساعة، وقعت حادثة أخرى أثارت غضب العراقيين، حيث أصيب العشرات بتسمم جماعي في عرس بقضاء الحويجة في محافظة كركوك؛ بسبب طعام فاسد، في حادثة تعزز حقيقة الغياب التام للرقابة في العراق الجديد.

وبعد كل نكبة يُنكَب بها العراقيون لا يوجد رد حكومي حقيقي على هذه الكارثة سوى العبارة المكررة التي لا تُزيد ولا تُنقص (أمر رئيس مجلس الوزراء بتشكيل لجنة تحقيقية)، لجنة تضاف إلى آلاف اللجان التي شكلت بعد كل جريمة او نكبة، وتبقى نتائج تحقيقات تلك اللجان مبهمة، هذا إن كانت هناك حقا تحقيقات.

وكان أكثر من 120 شخصاً (معظمهم من النساء والأطفال) قد لقوا حتفهم في غرق عبّارة سياحيّة في نهر دجلة بمدينة الموصل في 21 آذار/مارس 2019، وكانت العبَّارة تنقل نحو 6 أضعاف الطاقة الاستيعابية لها. بينما لقى 80 شخصا مصرعهم، في حريق اندلع في مستشفى الخطيب الذي كان يعالج مصابين بمرض كوفيد، في نيسان / أبريل 2021، نجم عن انفجار أسطوانات الأوكسجين، وبعد ذلك ببضعة أشهر، وفي تمّوز/ يوليو من العام نفسه، لقي 64 شخصاً مصرعهم جرّاء حريق في مستشفى بالناصرية في جنوب العراق اندلع في جناح لمرضى كوفيد. وفي 23 آذار/مارس 2022، أُعلنَ عن إغلاق ملف حادثة غرق عبّارة الموصل.

علاوة على ذلك، ان مسلسل الحرائق والتدمير والتخريب سيستمر في العراق لأنه جزء من الصراعات السياسية المتواصلة في البلاد، إلى جانب حقيقة افتعال الحرائق والكوارث للتغطية على أحداث أكبر أو لتمرير مخططات أنكى وأمر، وقد أثبتت الأيام أن الفاسدين والمفسدين الذين يتحكمون بالعراق مصممون على الانتقام من الشعب العراقي وإحالة العراق خرابا يبابا قبل أن يتركوه ويذهبوا إلى الدول التي خزنوا فيها ما سرقوه من السحت الحرام. وفي كل الأحوال يبقى الشعب العراقي المتضرر الوحيد من هذه الحالة المزرية.

لقد ثبت بالأدلة القاطعة أن أكثر من ترليون وثمانمائة مليار دولار أمريكي قد أهدرت في العراق منذ بداية الاحتلال ولحد الساعة، وهكذا مبلغ هائل كان يمكن أن يبني بلدا مثاليا ومتطورا. ومع ذلك فان العراقيين ما زالوا يعيشون من دون كهرباء ولا ماء صالح للشرب ولا رعاية صحية ولا أمن غذائي ولا قوات نظامية قادرة على حماية الأرواح والممتلكات ولا جيش قادر على حماية حدود البلاد وإيقاف تمدد المليشيات الإرهابية التابعة لإيران. والأمرّ من ذلك الأعداد المتزايدة من المدنيين الذين يقتلون او يغيبون او يتم ترهيبهم يوميا لا لسبب سوى لأنهم يرفضون الحال المزري الذي يعيشونه ويطالبون بمحاربة الفساد ومحاسبة القتلة والفاسدين. كل هذا والمجتمع الدولي الذي ادعى قبيل الغزو والاحتلال بانه سيجعل من العراق نموذجا للتطور والديمقراطية والرفاه الاقتصادي واحترام حقوق الإنسان في المنطقة لم يحرك ساكنا تجاه الملف العراقي.

إن جميع الأحداث الأليمة والفواجع والكوارث والمآسي غير المنتهية المؤدية إلى استمرار حالة الاستنزاف الممنهج في العراق؛ تؤكد أنه لا خلاص للعراق والعراقيين إلا بزوال أمر الأحزاب الفاسدة المتحكمة بالبلاد منذ 2003 وحتى الآن. ويظل الأمل بعد الله في أبناء العراق البررة، الذين قدموا وما زالوا يقدمون الغالي والنفيس في سبيل فضح الجهات المجرمة والفاسدة، وتنظيف البلاد من الوجوه الكالحة التي هيمنت على الساحة السياسية والاجتماعية طوال السنين العشرين الماضية.

ـــــ ـــــ ـــــ ـــــ ـــــ

*مسؤول قسم حقوق الإنسان في هيئة علماء المسلمين في العراق

Similar Posts