تعليقات على الرسالة للإمام الشافعي رحمه الله

بقلم : د. محمد الحاج عيسى

ابتدأ الإمام الشافعي رحمه الله كتاب الرسالة بمقدمة يمكن أن يجعل عنوانها: بيان القرآن لكل ما يحتاجه الناس، ويمكن تقسيمها إلى قسمين الأول: تمام النعمة ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم وكمال الدين بإنزال القرآن الكريم، والثاني: مراتب بيان القرآن للأحكام، وهذه المقدمة تبدأ في الصفحة 7 وتنتهي في الصفحة 40 من طبعة أحمد شاكر أو من الفقرة الأولى إلى 126

والقسم الأول يمكن أن يعتبر مقدمة عقدية تضمن عدة قضايا كتنزيه الخالق سبحانه والحديث عن الهداية وأصناف الكفار وضروب الشرك، وخلود المشركين في النار، وإثبات القدر والصفات الفعلية، وما ينبغي اعتقاده في محمد صلى الله عليه وسلم وفي الكتاب المنزل.

ومن العبارات المهمة المفيدة في علم الأصول في هذا القسم.

1-قوله :”فكل ما أَنزل في كتابه – جل ثناؤه – رحمة وحجة، عَلِمه من علمه، وجهله من جهله، لا يعلم من جهله، ولا يجهل من علمه. والناس في العلم طبقات، موقعُهم من العلم بقدْر درجاتهم في العلم به” (ص19).

الذي يفيد لأنه لا يوجد في القرآن ما لا يعلم معناه، وأن التشابه فيه وعدم العلم بمعانيه أمر نسبي.

2-قوله بعد ذلك:”فحقَّ على طلبة العلم بلوغُ غاية جهدِهم في الاستكثار من علمه، والصبرُ على كل عارض دون طَلَبِه، وإخلاص النية لله في استدراك علمه نصاً واستنباطاً، والرغبة إلى الله في العون عليه، فإنه لا يُدرَك خيرٌ إلا بعونه”.

الذي يفيد أن القرآن أصل العلوم كلها وأصل الأدلة جميعها.

3-ثم قوله:” فإن من أدرك علم أحكام الله في كتابه نصاً واستدلالاً، ووفقه الله للقول والعمل بما علِم منه: فاز بالفضيلة في دينه ودنياه، وانتفت عنه الرِّيَب، ونَوَّرت في قلبه الحكمة، واستوجب في الدين موضع الإمامة”.

الذي لخص فيه شروط الاجتهاد في شرطين اثنين الأول العلم بأحكام الله نصا واستدلالا، والثاني العمل بذلك العلم، وهذا الثاني أهمله أكثر من بعده، وإنما أكد عليه الشاطبي بعده في مقدمات الموافقات.

والذي نص فيه على طريق بلوغ القطع واليقين وهو العلم بالكتاب والعمل بمقتضاه …مما يفيد أن دلائل المعقول المنفصل عن الكتاب لا تفيد ذلك، وأن العبادة والرياضة من دون علم الكتاب أيضا لا تفيد يقينا أيضا.

4-ثم قال:”فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليلُ على سبيل الهدى فيها” (ص:20).

وهذا تنصيص على قاعدة شمول القرآن لكل مسائل الشرع المحتاج إليه، وهي عقيدة ينبغي أن يتمسك بها كل مسلم وأن يهتدي به كل مجتهد وباحث عن الحق والهداية، وقد كرر هذا المعنى في كتابه إبطال الاستحسان وزاده إيضاحا بأن سبيل الهدى مراتب فقال فيه: “فقد جعل الله الحق في كتابه ثم سنة نبيه – صلى الله عليه وسلم – فليس تنزل بأحد نازلة إلا والكتاب يدل عليها نصا أو جملة”.

ولا يلزم من هذا إنكار وجود سنة مستقلة بالتشريع عند الشافعي كما سيذكره في مراتب البيان وبعدها.

Similar Posts