التحذير من قسوة القلوب لطول الأمد

الشيخ عبد المنعم البدراني

حذَّر الله تعالى المؤمنين من قسوة القلب بسبب طول الأمد في تأخر النصر مثلا، أو الظهور على الأعداء، فإن النصر والهزيمة بيد الله تعالى يكتبها لمن يشاء، ومتى شاء، وكيف شاء.

ومنه قوله تعالى في سورة الحديد :((أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (16)

وفي الآية جملة من المسائل:

الأولى: قوله تعالى :((أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ)) ويقصد به القرآن والسنة المطهرة، فهما كفيلان لمن تشبث بهما وتعلق بما فيهما من أحكام ودلائل على عناية الله تعالى بعباده الصالحين وتولّيه أمرهم في الدنيا والآخرة، فالقرآن نعم المُذكِّرُ للمؤمنين، فإذا تعاهدوه تلاوة و علماً وعملاً، خشعت القلوب لبارئها، وسلّمت أمرها له، وآمنت بقضائه وقدره، فلا يصيبها قسوة قلب، ولا يأس ولا قنوط من رحمة الله تعالى.

الثانية: قوله تعالى :((وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ)).

فعلى مرِّ السنين والقرون صار الدين عند أهل الكتاب على هامش الحياة، وليس هو منهج الحياة، فابتعدوا عنه وغيروا في أحكامه، وحرّفوا كتبهم، فقست قلوبهم عن ذكر الله تعالى، وعن ذكر الآخرة، فصاروا كالأنعام، بل هم أضلّ، ولذلك يحذر الله تعالى المسلمين بأن يكونوا مثلهم، إذا طال عليهم الأمد، فيجب أن يبقى الإسلام والقرآن والسنة منهج حياتهم ولا يلتفتون إلى مرور السنين والقرون.

الثالثة: قوله تعالى :((وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (16)) وهي إشارة إلى من طال عليه الأمد فقست قلوبهم عن ذكر الله والتزام شرعته والعمل بمنهاجه من أهل الكتاب، ولازم النهي عن التشبه بهم أنَّ من طال عليه الأمد وقست قلوبهم عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من المسلمين فلم يتخذوه منهجا للحياة وشرعة متبعة لهم، فإنهم فاسقون مثل كثير من أهل الكتاب. انظر وتأمل يرحمك الله.

وقفة مع حديث نبوي

:(ما ظنُّكَ باثنين اللّهُ ثالثهما)

هذه قولة النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا الصِّدِّيق أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه في الغار يوم الهجرة.

وهذا القول من جنس إحسان الظن بالله تعالى، ومن حسن التوكل عليه، واستشعار مَعِيَّتِهِ الخاصة لعباده المؤمنين الصالحين.

واليوم، وأهلونا في غزة العزة والكرامة والمجد، يقاتلون أعتى أعداء الله تعالى ورسوله والمؤمنين، فمن باب إحسان الظن بالله تعالى، فإننا لا نشكُّ طَرْفَةَ عيْنٍ بأن الله تعالى معهم مَعِيَّةً خاصةً، ينصرهم بها ويؤيدهم بجنده، وينزل عليهم السكينة، ويسدد رميهم، ويثبت أقدامهم، ويربط على قلوبهم، فلا يضرّهم من تخلى عنهم من منافقي هذه الأمة، من الحكام والملوك والرؤساء والأمراء والسلاطين.

Similar Posts